لا تُذكر الحماة المستبدة ذات اللسان السليط إلا وتُذكر الفنانة الراحلة ماري منيب، التي اعتمدت على هذه الشخصية في تتويج نفسها على عرش الكوميديا النسائية. الأقدار لعبت دوراً هاما في مجيء ماري منيب إلى مصر. 

كيف كانت رحلة ماري منيب إلى القاهرة؟ وكيف عاشت في حي الفجالة؟ وكيف وصلت للنجومية؟ كل هذه التساؤلات أجابت عليها أمل عريان فؤاد في كتابها «الضاحكون الباكون».

خسارة الأب

في عام 1905 جاءت ماري سليم حبيب نصر وهي رضيعة من سوريا مع أختها «أنيس»، ووالدتها التي كانت تبحث عن زوجها «سليم». كان قد ترك أسرته الصغيرة وجاء إلى مصر ليضارب في القطن أملاً في تعويض خسائره المتلاحقة، فطالت غيبته فاستبد القلق بزوجته ما دفعها إلى السفر للقاهرة بحثاً عن الزوج.

ولكن شاءت الأقدار أن يقرر الزوج السفر من القاهرة إلى سوريا في نفس التوقيت، إلا أنه لم يستطع استكمال سفره بسبب إصابته بمرض أثناء رحلة العودة.

قررت الزوجة عدم الرجوع إلى سوريا والاستقرار في مصر بشكل نهائي. في حي الفجالة استقرت أسرة ماري منيب في شقة متواضعة بالدور الأرضي لا يزيد إيجارها الشهري عن 70 قرشاً، ولم يكن لدى الزوجة أي مصدر للدخل إلا عملها في الحياكة، فألحقت الطفلتين «ماري» و«أنيس» بمدرسة «دليفرند».

لم تستجب «ماري» للتعليم، فتركت الدراسة لتستقر في المنزل وتساعد والدتها في الأعمال المنزلية، الأمر الذي لعب دوراً كبيراً في تشكيل شخصيتها الفنية. أتاحت الفترة التي قضتها بالمنزل الغوص في عادات وتقاليد الحارة الشعبية والتي التقطت منها عبارات شكلت قاموسها اللغوي.

ورغم فشل «ماري» الدراسي إلا أن شقيقتها ظلت بالمدرسة حتى وصل سنها إلى 15 عاماً، واضطرت الأم لإخراجها بسبب زيادة الأعباء المادية التي لم تعد بإمكان الحياكة أن تفي بها.

بداية الرحلة

لم يكن أمام الشقيقتين إلا البحث عن عمل لتوفير احتياجاتهم. منذ هذه اللحظة بدأت رحلتهما الفنية من خلال أحد الفنانين المقربين للأسرة والذي كان يعمل ممثلاً، فعرض على الأم أن يلحق «ماري» و«أنيس» بفرقة نجيب الريحاني، فوافقت بعد معارضة.

مرت «ماري» وشقيقتها بمنعطفات كثيرة، وتنقلتا بين أكثر من فرقة مسرحية إلى أن تزوجت «أنيس» فتركت المجال الفني وتركت شقيقتها وحيدة في بحر الفن.

بدأت «ماري» العمل السينمائي مع بدايات 1934 من خلال فيلم «ابن الشعب» الذي كان باكورة إنتاج الشركة التي كونها كل من الممثل بشارة واكيم، والمخرج إيلي ابتكمان تحت اسم «فيلم النصر» وشاركت «ماري» البطولة كل من ميمي شكيب، بشارة واكيم وسراج منير.

كان ترشيح الشركة لـ«ماري» للعمل في الفيلم رغم حداثة سنها وعملها الفني نتيجة لعلاقة الحب التي ربطت بينها وبين بشارة واكيم والتي كادت أن تنتهي بالزواج لولا تعرف «ماري» في هذا الوقت على المنولوجيست فوزي منيب والزواج منه.

بعد «ابن الشعب» قدمت «ماري» أفلام «الغندورة»، و«أنشودة»، و«الراديو»، و«بسلامته عايز يتجوز»، و«نشيد الأمل». ولم تكن أدوارها في تلك الأفلام سوى أدوار هامشية لم ترق إلى البطولة عكس بدايتها المسرحية القوية مع فرقة نجيب الريحاني.

لكن رغم خطواتها الهادئة في السينما، فإن تلك الأدوار كانت كفيلة لتصعد بها لمرحلة البطولة السينمائية. وتحقق ذلك في فيلم «مراتي نمرة 2» عام 1937 تلاها بعد ذلك سلسلة من الأفلام التي لعبت فيها دور الأم المتسلطة، والحماه السليطة.

طوال مشوارها الفني قدمت «ماري» حوالي 200 فيلم سينمائي كان آخره «لصوص لكن ظرفاء» في عام 1969، و52 مسرحية أشهرها «إلا خمسة»، و«لو كنت حليوة».

زواج وطلاق

ارتبطت «ماري» بقصة حب مع المنولوجيست فوزي منيب في بداية حياتها الفنية، وتزوجته وأنجبت منه ولديها «فؤاد» و«بديع»، إلا أن الزواج لم يستمر إلا عدة سنوات لينفصل الزوجان.

لم تفكر «ماري» في الزواج مرة أخرى إلا حين ماتت أختها «أنيس» تاركة أطفالها، ما دفع زوج شقيقتها عبدالسلام فهمي لطلب الزواج من «ماري» حتى تستطيع رعاية أولاد أختها وهو ما حدث. أعلنت إسلامها وأسمت نفسها أمينة عبدالسلام، ليستمر زواجها حتى وفاتها في 21 يناير عام 1969.

وكما كان لـ«ماري» منيب اللازمات والكلمات المشهورة بها، كذلك كان لها طقوس يومية تحافظ عليها وتحرص على تنفيذها يومياً. يومها كان يبدأ في الساعة الثامنة إلا ربع مساء، حيث يقف تاكسي وتنزل منه لتتجه إلى غرفتها بالمسرح، وقبل ذلك بقليل تقوم بإطعام القطط التي كانت تملأ المسرح والتي تكون في انتظارها كحرس الشرف لدرجة أنه كان بالإمكان سماع مواء القطط قبل حضورها بريع ساعة.

وبعد الانتهاء من إطعام القطط كانت «ماري» تتوجه إلى حجرتها وتظل جالسة أمام المرآة، وقد شبكّت يديها على صدرها وهي غائبة تماماً عما يحدث خارج غرفتها إلى أن يحين موعد رفع الستار في الساعة التاسعة والنصف تماماً.

رحيل تراجيدي

كان مشهد رحيل ماري منيب أقرب ما يكون إلى مشهد من إحدى المسرحيات التراجيدية. في هذا اليوم ذهبت إلى المسرح مبكرة على غير العادة واجتمعت بزميلاتها قبل أن يُرفع الستار عن مسرحية «خلف الحبايب»، وجلست في كواليس المسرح مع زميلاتها تستعيد ذكرياتها مع نجيب الريحاني الذي اكتشفها وعلّمها وأطلقها إلى عالم الشهرة، وكان له الفضل عليها من أول حياتها وحتى آخر عمرها، وختمت حديثها بقولها «الله يرحمه بكره نحصله».

وكانت في السنوات الأخيرة من عمرها قد أصيبت بمجموعة من الأمراض، فلم يتحمل قلبها المشوار فكانت تسعفه بالأدوية، ولا تسير إلا وحقيبة الأدوية معها. في هذه الليلة التي رحلت فيها لم تأخذ الحقيبة معها، وعندما سألها أحد العاملين عنها أجابته بأن صحتها تحسنت وأنها لم تعد بحاجة للأدوية.

ويرفع الستار وتبدع في هذه الليلة كما لم تبدع من قبل، بعد العرض وكالعادة اصطحبها ابنها في سيارة تاكسي إلى المنزل، ثم التفتت إليه، وقالت: «شوف يا بديع يا ابني أنا عاوزة أموت على سريري من غير مرض علشان ما تزهقوش مني.. عاوزة أموت بالسكتة لأتمكن من الوقوف على خشبة المسرح حتى آخر يوم في حياتي».

احتضنها ابنها وقبلّها ووصلا إلى الفيلا. دخلت «ماري» حجرتها وبجوارها زوجها، ولم يستيقظ إلا على أثر صوت عال ظنه في البداية إرهاق، إلا أن الصوت ازدادت حدته، فما كان منه إلا أن أضاء نور الحجرة، ولم تمر سوى لحظات حتى فارقت «ماري» الحياة بعد 5 ساعات فقط من إضحاك الجمهور.

 



المصدر

كتاب «الضاحكون الباكون».أمل عريان فؤاد.

0
0
0
0
0
0
0