كانت طالبة في جامعة القاهرة، عمرها 26 عاماً، تعلمت في إحدى المدارس الفرنسية بالقاهرة، وكان هو زعيم أفريقي كبير، قاد النضال في بلاده ضد الاستعمار البريطاني وعمره 48 عاماً. اسمها فتحية حليم رزق، وكان هو «كوامي نكروما» رئيس وزراء غانا.

الاثنان بطلا حدث كبير شغل أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل، واستعرضه سعيد الشحات في كتابه «ذات يوم.. يوميات ألف عام.. وأكثر».

كانت غانا وقتئذ تحت السيطرة البريطانية، ولها حاكم عام بريطاني، وكان «نكروما» يقود الحركة الوطنية لتحرير بلاده عبر برنامج سياسي حزبي.

أما الحدث الذي شغل العالم فكان خطوبة تمت في القاهرة، بينما كان الزفاف في العاصمة الغانية أكرا، لكن حكومات الدول الكبرى تساءلت: «لماذا؟»، وأمرت سفاراتها في أكرا بالبحث عن الإجابة.

وبحسب ما رواه أسامة عبد التواب في كتابه «العلاقات بين مصر وغانا 1957 – 1966» الصادر عن دار الكتب والوثائق القومية، ففي يوم 30 ديسمبر سنة 1957 أذاعت وكالة رويترز خبراً عن الزواج، وقالت إن «فتحية» وصلت أكرا في صباح هذا اليوم قبل الزفاف بساعات قليلة، برفقة خالها عدلي مرقس صادق.

استقبل «فتحية» في مطار أكرا «بايدو أنساه» صديق الطفولة لـ«نكروما»، وتم تسجيل الزواج مدنياً، وحضر الحفل عدد قليل من المدعوين من أقارب «نكروما» وأصدقائه وبعض الوزراء، ولم يتم الإعلان عن الزواج إلا بعد انتهاء الحفل بأربع ساعات.

كيف جاء الزواج؟

للزواج في مصر تقاليد وأصول. يتعارف العروسان بطريقة ما، إما بالصورة، وإما باللقاء الشخصي، وبين الاثنين وأسرتيهما يلعب الوسيط دوراً رئيساً في تقريب وجهات النظر، وتذليل العقبات، وفي حالة «نكروما» و«فتحية» كان الوسيط هو الحاج صالح السناري. وهو مصري درس في الأزهر، وكان مقيماً في غانا ويرتبط بصداقة مع «نكروما» .

زار «السناري» بيت العروس عدة مرات، وتبادل الصور بينها وبين «العريس»، ونقل المعلومات الخاصة بكل طرف إلى الطرف الآخر. نقل الرجل لـ«نكروما» أن «فتحية» فقدت والدها وعمرها 13 عاماً، وكان والدها يعمل موظفاً في مصلحة التليفونات المصرية، وهي الثالثة بين إخوتها الخمسة، ولها أخ متزوج بإنجليزية ويعيش في لندن.

المعلومات التي قدمها «السناري» لـ«فتحية» عن «نكروما» كثيرة، وأهمها بالطبع تلك التي تحتاجها أي عروس، الأمان والاستقرار والحب، لكن كيف سيتحقق كل ذلك مع رجل يناضل من أجل حرية بلده، ويسير على طريق من الأشواك لتحقيق ذلك؟

تلك كانت مهمة «السناري» الذي قدم لها صورة وافية عن قيمة «نكروما» في بلده وأفريقيا، وقيمته عند جمال عبدالناصر شخصياً.

لم يكن «السناري» وحده يقوم بمهمة إقناع «فتحية»، وكان معه صديقه وابن خالتها في الوقت نفسه الدكتور «نجيب» الأستاذ بهندسة القاهرة. وأخيراً أعطت العروس الموافقة، فحضر ابن عم «نكروما» من غانا إلى مصر ليسمعها شخصياً، وقدم هدية العريس 500 جنيه إنجليزي وخاتم ألماس بـ 100 جنيه إنجليزي أيضاً.

دارت العجلة استعداداً لحفل الزواج الذي سيتم في أكرا، واستعدت له فتحية بشراء 12 فستاناً من القاهرة قبل مغادرتها، وسافرت دون والدتها التي خافت من السفر بالطائرة.

القيادة السياسية

ولكن هل كان للقيادة المصرية يدا في هذا الزواج؟ هذا السؤال طرحه الباحث أسامة عبد التواب وأجاب عليه في كتابه بأنه ربما عندما علمت القيادة المصرية برغبة «نكروما» في الزواج، أومأت إلى «السناري» بأن يقترح عليه مصرية مسيحية، وبالفعل منحت له القيادة السياسية 5 صور كي يختار «نكروما» من بينها، فاختار فتحية حليم رزق.

ومما يعزز ذلك أن «عبدالناصر» عرف موعد حفل الزواج في حين أن الغانيين بكل المستويات لم يعرفوه إلا بعد انتهائه بساعات، وكلما كان «عبد الناصر» يحضر إلى مطار القاهرة لاستقبال «نكروما» كان يحضر معه أهل «فتحية»، حتى يظهر أن «عبد الناصر» هو صهر «نكروما»، كما أن «فتحية» أصبحت صديقة لأسرة عبدالناصر، وكانت تخبره بنشاط الإسرائيليين في غانا في زيارتها للقاهرة.

الصحف العالمية تناولت الزواج من زاوية أن مصر قصدت منه ضم غانا إلى كتلة «عبد الناصر». وحين حملت «فتحية» أعلن «نكروما» أن مولوده لو جاء ذكراً فسيطلق عليه اسم شخص عزيز يجلُه ويحترمه، واحتفظ بسرية الاسم حتى أطلق عليه اسم «جمال» يوم 3 أبريل 1959.

كان السفير الإسرائيلي في غانا هو الأكثر تشاؤماً من هذا الزواج، وذلك طبقاً لتقرير تم رفعه إلى الحكومة البريطانية شمل ردود فعل البعثات الدبلوماسية، وسألت الإدارة الأمريكية: هل سيسير نكروما وفق سياسة متوازنة بين مصر وإسرائيل؟




المصدر

كتاب «ذات يوم.. يوميات ألف عام.. وأكثر». سعيد الشحات.

«العلاقات بين مصر وغانا 1957 – 1966». أسامة عبدالتواب.

4
0
0
0
1
0
0