بينما كان المصريون يقاومون الغزاة الفرنسيين ويموتون دفاعا عن أرضهم، كان الشاعر «نقولا الترك» يقدم كل غالٍ وثمين من أجل الحصول على رضاء المستعمر الجديد، فكتب قصيدة مدح في نابليون بونابرت وجيشه.

ولعل هذا الشاعر قد تصور أن نابليون سيستقر في مصر والشرق العربي، وأنه سيحكم هذه البلاد إلى الأبد.

و«نقولا» أديب ومؤرخ من لبنان، ولد في بلدة دير القمر سنة 1763، وعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر سنة 1798 ترك لبنان واتجه إلى القاهرة ليعمل كاتباً ومترجماً مع الفرنسيين وكان في الـ35 من عمره.

وظل يعمل مع الحملة الفرنسية حتى تقرر خروجها من مصر بعد 3 سنوات من احتلالها للبلاد، فعاد إلى لبنان وبقي بها إلى أن توفى سنة 1828 وهو في الـ65، وله كتاب معروف عن الحملة الفرنسية اسمه «ذكر تملك الفرنساوية الأقطار المصرية والبلاد الشامية».

مرتزقة الأدب

كان من الواضح أن «الترك» هو أحد مرتزقة الأدب والثقافة والترجمة، وأنه كان يبحث عن فرصة للعمل والنجاح والكسب، دون أن يراعي في سبيل ذلك أي مبادئ وطنية أو إنسانية.

ويذكر تاريخ هذا الرجل أنه رغم ميلاده في لبنان فقد كان من أصل يوناني، وبذلك فقد كان بانتمائه للبنان واليونان معاً كارهاً ومعارضاً للحكم العثماني المسيطر في تلك الفترة على البلاد العربية بما فيها مصر ولبنان.

وكان الحكم العثماني في مراحله الأخيرة غير مهتم بمصالح العرب، ومن هنا وجد «نقولا» في أعماقه ما يبرر له التعامل والتعاون مع الغزاة الوافدين من الغرب وهم الفرنسيون.

ولكن هذا الموقف كان خطأ فادحاً، لأن الصراع لم يكن بين العثمانيين والفرنسيين فقط، بل كان هناك صراع آخر شديد الوضوح بين شعب مصر وبين الاحتلال الفرنسي، وكان التعاون مع الحملة الفرنسية يعني العداء لمصر وشعبها ومصالحها المختلفة.

وبالتالي لا يوجد تفسير لموقف «نيقولا» إلا أنه كان كاتباً مرتزقاً يبحث عن العمل والمال والثروة والنفوذ، والعذر الذي يمكن التماسه له في موقفه هو عذر ضعيف إلى أبعد الحدود.

قصيدة مدح

وخلال الحملة الفرنسية لم يحدث أن شاعراً عربياً في مصر أو غيرها من الأقطار العربية مدح نابليون أو أثنى على غزوه لمصر، وهنا يظهر الموقف الغريب لـ«نقولا»، فقد كتب قصيدة من 30 بيتاً في مدح نابليون.

وجاءت القصيدة ركيكة وكان ذلك طبيعياً، فالشعر العربي عموماً في فترة الحملة الفرنسية (1798 – 1801) كان قد وصل إلى أقصى درجات الانحطاط الأدبي والفكري، وكان صوت الشعر في هذا العصر خافتاً لا يكاد أحد يسمعه أو يتأثر به، فقد كانت مصر والأقطار العربية كلها قد تدهورت.

ترجمة القصيدة

فرح الفرنسيون بهذه القصيدة، وترجموها إلى الفرنسية، ونشرتها جريدة الحملة في مصر في عددها الثاني الصادر سنة 1800، وقالت إن القصيدة لشاعر من بيروت هو نقولا الترك بن يوسف الاسطنبولي.

ولأن القصيدة كانت هي القصيدة العربية الوحيدة التي قيلت في نابليون والحملة الفرنسية، فقد اعتبرها مترجمها إلى الفرنسية «ج. ج. مارسيل» عملاً هاماً، وقال في مقدمته للترجمة: «كان العرب القدماء يفتخرون بالانتصارات الحربية وكرم الضيافة والمواهب الأدبية لاسيما موهبة التفوق في نظم الشعر الذي اتخذوه أداة للتفاخر بأنسابهم وشجاعتهم في الحرب وانتصاراتها في ميادينها، كما جعلوه تعبيراً عن أنسابهم وقبائلهم واعتزازهم بإكرام الضيف وإغاثة الملهوف، وكان العرب القدامى يعقدون ندوات كسوق عكاظ وغيرها لإلقاء روائع قصائدهم على المحكمين وتلقى الجوائز عليهم».

بدأ الشاعر قصديته بمدح فرنسا، فيقول:

لله عصر قدرها

فلك السعادة فيها دار

وجمال كوكب دولة الـ

جيش الفرنساوي أنار

بأحسنه من دولة

بالافتخار لها اشتهار

ثم ينتقل إلى مدح نابليون فيقول:

مقدامها وسطوة

تهدي الملوك له وقار

الشهم بونابرتة

أسد الوغى ذو الاقتدار

من فاق قدراً وارتقى

أوج العلا وسما الفخار

مولى شديد البطش من

عاداه حلّ به الدمار

ملك تولى رتبة

خضعت لها القوم الكبار

ثم يقول بعد ذلك شامتاً بهزيمة المصريين أمام الحملة الفرنسية:

يوم يقال بحقه

لله درك من نهار

وتبددت تلك الـ

جماهير العديدة في القفار

ورأوا المنية فوقهم

قد أمطرت جمرات نار

وتشتتت أمراؤها

وغدت بذل واحتقار

وفتوح مصر كان في

صفر وأمر الله صار

وبيوم سبت فيه قد

أرخت ثم الانتصار

وبهذه الطريقة في التعبير تمضي قصيدة «نقولا» في تمجيد نابليون والفرنسيين وفي الشماتة بالمصريين، مما يسجل لهذا الشاعر موقفاً من مواقف «العار الأدبي» كما يقول الكاتب رجاء النقاش.

وجاءت القصيدة إلى جانب ركاكتها وخلوها من أي إحساس صادق مليئة بالأخطاء اللغوية، والأبيات المكسورة الخارجة على أوزان الشعر، إضافة إلى افتقادها لأي إحساس وطني أو قومي، ومن ثم تعد بمثابة نموذج للنفاق الأدبي الذي لا يخلو منه عصر من العصور.




المصدر

كتاب «عباقرة ومجانين». رجاء النقاش.

1
0
1
0
0
0
0