رغم أن حياة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله كانت مليئة بالألغاز، إلا أن أكثرها ما ارتبط برغبته في نقل رفات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى القاهرة ليضفي عليها قدسية دينية.

قوافل الحج

تبعاً لرواية أوردها الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري المتوفي سنة 1094 في كتابه «جغرافية مصر من كتاب الممالك والمسالك» وأيدتها مصادر أخرى، شيّد الحاكم بأمر الله في المنطقة الواقعة بين الفسطاط والقاهرة ثلاثة مشاهد لينقل إليها رُفات الرسول صلى الله عليه وسلم، ورُفات أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، من المدينة، وهي محاولة كُتب لها الفشل.

وكان «الحاكم» يهدف من هذا المشروع إلى تحويل الجغرافية الروحية والدينية للعالم الإسلام، عن طريق حرمان المدينة المنورة من أكثر رموزها تقديساً بتحويل قوافل الحُجاج إلى العاصمة الفاطمية. ولم يُحدد «البكري» تاريخ هذه المحاولة الفاشلة.

ورغم أن المصادر والدراسات القائمة عليها لا تشير بأية حال إلى هذه المحاولة، فإن المؤرخ ابن فهد المكي المتوفي سنة 1480 في كتابه «اتحاف الورى بأخبار أم القرى» والمؤرخ المصري الجزيري في كتابه «الدرر الفرائد المنظمة»، لا يتركان أي شك في أن هذا المشروع الفاشل قد تم في سنة 1000 تقريبًا.

وتفيد هذه الرواية، التي تقترب من رواية «البكري»، بأن أحد الزنادقة الذي لم يُذكر اسمه أشار على «الحاكم» بنبش قبر الرسول وصاحبه وحملهم إلى مصر، وبذلك يشد الناس رحالهم من أقطار الأرض إليها.

قبر الرسول صلى الله عليه وسلم

روايتان مختلفتان

يذكر أبو عبيد البكري أن «الحاكم» بذل أموالاً لرجال من شيعته نجحوا في حفر سرداب أسفل الدور المجاورة لمنزل الرسول صلى الله عليه وسلم مقابل القبر، غير أن أهل المدينة لم يلبثوا أن علموا بما فعلوا ونيتهم فقتلوهم ومثّلوا بهم، ثم رصفوا تلك الحفرة بالحجارة وأفرغوا عليها الرصاص بحيث لا يطمع في الوصول إليها أبداً.

لكن رواية «ابن فهد» و«الجزيري»، تفيد بأن «الحاكم» عهد إلى أمير مكة أبي الفتوح الحسن بن جعفر الحسني بهذه المهمة. فمضى إلى المدينة وأزال عنها إمرة بني الحسين، بحجة قدحهم في نسب الفاطميين، وجلس في مسجد المدينة وحضر إليه جماعة من أهلها بلغهم ما جاء من أجله، ومعهم قارئ يُعرف بـ«الركباني» فقرأ آيات من سورة «التوبة» تدعو إلى مقاتلة أئمة الكفر والناكثين بأيمانهم.

ثار الحاضرون على «أبي الفتوح» وكادوا يفتكون به، ولم يمنعهم من ذلك إلا خوفهم من العواقب خاصة وأن البلاد كانت للفاطميين.

ولم يكد يمضي بقية النهار «حتى أرسل الله ريحاً كادت الأرض تُزلزل منها حتى دحرجت الإبل بأقتابها والخيل بسروجها وهلك خلق كثير من الناس» وفق رواية بن فهد والجزيري. الأمر الذي استند إليه «أبو الفتوح» في التنصل مما كلفه به الحاكم بأمر الله.

 

محاولات أخرى

ولم يثن فشل هذه المحاولة «الحاكم» عن أن يعاود من جديد حرمان المدينة من ذخائر مقدسة أخرى. إذ أن فكرة تحويل قوافل الحجاج نحو العاصمة الفاطمية برفعها إلى مصاف المدن المقدسة، أصبحت جزءاََ من سياسة الفاطميين وعلى الأخص في عهد «الحاكم».

ففي سنة 1010 أرسل الحاكم «ياروختكين العضدي» والي الرّملة (تقع في فلسطين) إلى المدينة ليفتش في دار جعفر الصادق، والتي لم يجرؤ أحد على فتحها بعد وفاته عما بها من ذخائر.

جمع «ياروختكين» ما وجده في الدار وعلى الأخص مصحف وقعب (قدح أو إناء) من خشب مطوق بحديد ودرقة (أداة يحملها المحارب لتحميه من السيوف) خيزران وحربة وسرير. حُمل جميع ذلك إلى القاهرة وصحبه جماعة من شيوخ العلويين.

فلما وصلوا إلى «الحاكم» أطلق لهم نفقات قليلة ورد عليهم السرير وأخذ الباقي قائلاً لهم أنه أحق به منهم. وكان من بين هذه الذخائر قطعة من حصير كانت تستخدم كسجاد صلاة للخلفاء في وقت صلاة عيد الفطر.

ولم تكن هذه الذخائر الوحيدة التي احتفظ بها الفاطميون فقد كان عندهم أيضاً «ذو الفقار» سيف علي بن أبي طالب، وسيف الحسين بن علي، ودرقة حمزة بن عبد المطلب.




المصدر

كتاب «الدولة الفاطمية في مصر. تفسير جديد. الدكتور أيمن السيد فؤاد.

1
1
0
0
0
1
0