كثير منا لا يعرف سير أعلام التاريخ وما قدموه من خير وفتوحات للمسلسمن، نتناول في هذه السطور قصة فاتح بلاد السند والبنجاب، ومؤسس أول دولة إسلامية في الهند، محمد بن القاسم الثقفي.

حياة المجاهد الشاب

هو محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي فاتح بلاد السند والبنجاب، وهي دولة باكستان الآن، التي هي من أكبر البلاد الإسلامية.

يُعتبر ابن القاسم مؤسِّسًا لأول دولة إسلامية في الهند؛ ولذلك يبقى اسمه شامخًا في سجلِّ الفاتحين الأبطال.

نشأة محمد بن القاسم الثقفي

وُلِدَ في عام (72هـ،691م) بمدينة الطائف في أسرة معروفة؛ فقد كان جدُّه محمد بن الحكم من كبار الثقفيين، وفي عام (75هـ، 694م) صار الحجاج بن يوسف الثقفي واليًا على العراق، في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، فعيَّن الحجاج عمَّه القاسم واليًّا على مدينة البصرة، فانتقل الطفل محمد بن القاسم إلى البصرة؛ حيث يحكمها والده.

نشأ منذ نعومة أظفاره بين الأمراء والقادة، ثم بنى الحجاج مدينة واسط، التي صارت معسكرًا لجنده الذين يعتمد عليهم في الحروب، وامتلأت بسكانها الجدد وقوم الحجاج، وفي هذه المدينة وغيرها من مدن العراق نشأ وترعرع محمد بن القاسم الثقفي وتدرَّب على الجندية؛ حتى أصبح من القادة المعروفين وهو لم يتجاوز بعدُ 17 عامًا من العمر.

ابن القاسم وبلاد السند

كان محمد بن القاسم الثقفي يسمع كثيرًا عن بلاد السند، ولم تكن تلك البلاد في ذلك الحين غريبة على المسلمين؛ فقد كان لهم فيها سابقة من غزوات في عهد الخليفة عمر والخليفة عثمان بن عفان، ثم زاد اهتمام العرب ببلاد السند حين قامت الدولة الأموية على يد معاوية بن أبي سفيان في سنة (40هـ، 661م)، بفتح إقليم مكران، الذي كان يحكمه الولاة الأمويون بعد ذلك بصفة مستمرَّة.

عدوان قراصنة السند

حدث في سنة (88هـ، 707م) أن سفينة عربية كانت قادمة من جزيرة الياقوت (بلاد سيلان) وعليها نساء مسلمات، فبعث الحجاج حملتين على «الدَّيْبُل»؛ الأولى بقيادة عبيد الله بن نبهان السلمي، والثانية بقيادة بديل البجلي، لكن الحملتين فشلتا، وقتل القائدان على يد جنود السند.

قيادة محمد بن القاسم وفتوحاته

قرَّر الحجاج فتح بلاد السند كلها، ووقع اختياره على محمد بن القاسم الثقفي ليقود الجيش، وجهَّزه بكل ما يحتاج إليه في ميدان القتال، وتحرَّك بن القاسم بجيشه المكوَّن من ستة آلاف مقاتل من العراق إلى الشِّيراز في سنة (90هـ، 709م)، وهناك انضمَّ إليه ستة آلاف أخرى من الجند.

بعد استكمال الاستعدادات في شِيراز انطلق بن القاسم ومعه اثنا عشر ألف مقاتل إلى الشرق، حتى وصل مُكران، ثم توجه منها إلى فنزبور، ثم إلى أَرْمَائِيل.

هجم المسلمون على مدينة الدَّيْبُل فاقتحموا أسوارها ودخلوها، وبعد فتح مدينة الديبل -أحصن مدن السند- واصل بن القاسم سيره، فكان لا يمرُّ على مدينة إلَّا فتحها وهدم معابد الوثنية والبوذية بها، وأقام شعائر الإسلام، وأسكنها المسلمين، وبنى المساجد حتى غير خريطة البلاد تمامًا، وصبغها بصبغة إسلامية تامة.

استطاع محمد بن القاسم أن يبهر الهندوس بشخصيته القوية الحازمة، وتعجبوا من شجاعته وحُسن قيادته لجيش كبير وهو دون الثامنة عشر.

أسلم عدد كبير من الزُّطِّ وهم من بدو الهنود، وانضم منهم أربعة آلاف رجل يقاتلون مع محمد بن القاسم، وكان لهم أثر كبير في القتال لخبرتهم بالبلاد ومعرفتهم بلغة الهنود.

سار محمد بن القاسم إلى «البيرون» وهي مدينة «حيدر آباد» حاليًا فتلقَّاه أهلها وصالحوه كذلك، وكان لا يمرُّ بمدينة إلَّا فتحها صلحًا أو عنوة، وتوج ذلك كله بالانتصار على داهر ملك السند، ومضى يستكمل فتحه، فاستولى على حصن «راوَدْ، ثم برهماناباذ، والرور وبهرور، ثم اجتاز نهر بَيَاس وعبر إلى إقليم المُلْتَان، فاستولى عليه بعد قتال شديد، وغنم كميات كبيرة من الذهب».

استمر ابن القاسم في مسيره حتى وصلت فتوحاته إلى حدود كشمير؛ وبذلك استطاع محمد بن القاسم أن يُخضع السند لحكم الخلافة الإسلامية في مدَّة لم تتجاوز ثلاث سنوات.

ظل محمد في فتوحاته لبقية أجزاء بلاد السند حتى انتهى منها سنة (96هـ، 715م)، وبذلك قامت أول دولة عربية في بلاد السند والبنجاب، ولقد جاءته قبائل «الميد والجات والزطِّ»، مرحبة به لأنه محررهم من ظلم الهندوس واستعبادهم.

شخصية ابن القاسم

كان محمد بن القاسم راجح الميزان في التفكير والتدبير، وفي العدل والكرم، إذا قُورن بكثير من الأبطال، وهم لا يكادون يبلغون مداه في الفروسية والبطولة، ولقد شهد له بذلك الأصدقاء والأعداء.

نهاية محزنة لمحمد بن القاسم

هناك أكثر من رواية قيلت في وفاة محمد بن القاسم الثقفي، والذي توفى عن عمر 24 عام، عندما كان يفكر في أن يتوجَّه بجيش الفتح إلى حدود بلاد الهند، ووصله أمر الخليفة الجديد سليمان بن عبد الملك بالتوجه إلى العراق.

الرواية الأولى

عندما جاء أمر الخليفة إليه وكان معروف عن الخليفة سليمان كرهه للحجاج، رضخ الشاب للأمر وهو يعلم أن مصيره الهلاك، لا لذنب اقترفه؛ ولكن لسوء حظ وقع فيه، بسبب بعض تصرفات سياسية.

ترجاه أهل السند من المسلمين، أن يبقى في بلادهم وسيقفون خلفه إذا دق الخطر بابه، لكنه رفض مخالفة أمر الخليفة.

ووصل محمد بن القاسم إلى العراق، فأرسله والي العراق صالح بن عبد الرحمن مقيدا بالسلاسل إلى سجن مدينة واسط بسبب عداوته للحجاج.

وهناك عُذب القائد الشاب لمدة شهور، حتى مات في عام (96هـ، 715م).

الرواية الثانية

رواية اخرى في وفات محمد بن القاسم ذكرها كتاب «كنا جبالا» للكاتب علي كمال، أن ابنة ملك السند «داهر» الذي قتله بن القاسم، أدعت أنه راودها عن نفسها ونالها قسرا، فأمر الخليفة بحبسه حتى مات.

الرواية الثالثة

تقول إن ابنة ملك السند لما حاصر أبن القاسم بلادهم جاءته ليلًا تراوده عن نفسه، مقابل أن يفك حصار مدينتها، فوقعت في نفسه، ورفض مساومتها.

وعندما فتح ابن القاسم السند، ووقعت بنت الملك ضمن السبايا، أمر بذهابهم لقصر الخليفة، ولما وصلت إلى هناك ادعت أنه روادها عن نفسها.

أمر الخليفة سليمان بن عبدالملك بقدوم ابن القاسم إليه، ولما دخل عليه وجده هزيلا قد نحف جسده، وهو المعروف عنه القائد القوي، وعندما واجهه الوليد بما تقوله ابنة ملك السند وقع ميتا، فخرجت لتبكي عليه وتموت معه في حينها. هذه الرواية مشهوره عن «الطبري».



0
0
0
0
0
0
0