قال تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ» [آل عمران: 110]

يقول الشيخ السعدي في تفسيره: يمدح تعالى هذه الأمة ويخبر أنها خير الأمم التي أخرجها الله للناس، وذلك بتكميلهم لأنفسهم بالإيمان المستلزم للقيام بكل ما أمر الله به، وبتكميلهم لغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتضمن دعوة الخلق إلى الله وجهادهم على ذلك وبذل المستطاع في ردهم عن ضلالهم وغيهم وعصيانهم، فبهذا كانوا خير أمة أخرجت للناس.

قال تعالى عن بني إسرائيل في سورة البقرة: «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ» [البقرة: 44] وهذا ذمٌ لهم على أمرهم الناس بالبر وعدم إتيانهم إياه، أما هذه الأمة فقد مدحها الله تعالى على الترابط بين قولهم وفعلهم في الآية التي نحن نتحدث عنها.

ووصف الله تعالى لهذه الأمة بالخيرية لم يكن بلا سبب، بل كان من أجل: أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وإيمانهم بالله. إذن هذه الخيرية يرتبط وجودها بهذه الصفات.

يقول الشيخ الشعراوي: يورد الله مسألة الإيمان بالله من بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لماذا؟ لأنه من الجائزة أن يوجد إنسان له صفات الأريحية والإنسانية ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويصنع الخير، ويقدم الصدقات، ويقيم مؤسسات رعاية للمحتاجين والعاجزين سواء كانت صحية أو اقتصادية، لكنه يفعل ذلك من زاوية نفسه الإنسانية، لا من زاوية منهج الله، فيكون كل ما يفعله حابطا ولا يُعتَرفُ له بشيء لأنه لم يفعل ذلك في إطار الإيمان بالله، ولذلك فلا تظن أن الذي يصنع الخير دون إيمان بالله؛ فالله يجازي من كان على الإيمان به، وأن يكون الله في بال العبد ساعة يصنع الخير. فمن صنع خيرا من أجل الشهامة والإنسانية والجاه والمركز والسمعة فإنه ينال جزاءه ممن عمل له، ومادام قد صنع ذلك من أجل أن يقال عنه ذلك فقد قيل.

يشترط في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر:

أن يكون على علم بما يأمر به أو ينهى عنه، فقد قال تعالى: «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي». [يوسف: 108].

أن يتخذ الأساليب المناسبة في الدعوة، قال تعالى: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [النحل: 125].

أن يتلطف في الدعوة إلى الله، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه. يقول الشيخ محمد مختار الشنقيطي في تفسيره: فإن كانت دعوته إلى الله بقسوة وعنف وخرق فإنها تضر أكثر مما تنفع، فلا ينبغي أن يسند الأمر بالمعروف إسنادا مطلقا إلا لمن جمع بين العلم والحكمة والصبر على أذى الناس؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة الرسل وأتباعهم، وهو مستلزم للأذى من الناس؛ لأنهم مجبولون على معاداة من يتعرض لهم في أهوائهم الفاسدة وأغراضهم الباطلة.

مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

روى الإمام مسلم عن أبي سعيدٍ الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

نستفيد من هذا الحديث: أن الإنكار باليد واللسان مُقيَد بالاستطاعة أما الإنكار بالقلب فلا يسقط بحال، وألا يترتب على تغيير المنكر منكرًا أكبر منه.

 فلنحرص أيها الأحباب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

بقلم إبراهيم الديساوي



0
0
0
0
0
0
0