حديثنا اليوم أيها القراء الأحباب حول المرأة الوحيدة التي ذكر الله تعالى اسمها صراحة في القرآن، وقد ذكر اسمها في أكثر من ثلاثين آية، وليس هذا وحسب، بل ذكر تعالى سورة في القرآن باسمها، إنها مريم -عليها السلام.

وصفها الله بأنها صديقة، فقال سبحانه: «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ» [المائدة:75]، وقد اصطفاها الله على نساء العالمين، فقال سبحانه: «وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ»، [آل عمران:42].

سنطوف معًا اليوم حول بعض ما قصه الله تعالى عنها في كتابه العزيز، عسى أن نتعلم من قصتها ما يُصلح أحوالنا وأحوال نسائنا.

كانت أم مريم امرأة عابدة وتقية وصالحة، ونذرت أن تهب ما في بطنها لخدمة بيت المقدس بعد أن يكبر، ولكنها فوجئت عند وضعها أنها ليست ذكرًا يصلح لخدمة بيت المقدس، بل أنثى، فسمَّتها مريم، ودعت الله بتحصينها هي وذريتها من الشيطان الرجيم.

وفي قوله تعالى:«وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى» [آل عمران: 36] دليل على أن للذكر أعمالًا لا تناسب الأنثى، وأن الأنثى إذا أقحمت نفسها فيها تعبت نفسها وأتعبت من حولها.

وقد استجاب الله تعالى دعاء أم مريم، ونتعلم من ذلك أن صلاح الآباء غالبًا ينفع الأبناء، وقام نبي الله زكريا زوج خالتها بتربيتها ورعايتها، وأسكنها محراب عبادته.

ولأنها صالحة وتقية كانت تأتيها كرامات من الله تعالى، مثل إعطاء الله لها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وعندما قال لها نبي الله زكريا –عليه السلام: «يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ»، [آل عمران:37] فنسبت الفضل كله لله، ولم تنسبه لنفسها ولا لعملها الصالح.

لما بلغت مريم عليها السلام أراد الله تعالى بحكمته البالغة أن يخلق منها عبده ورسوله عيسى –عليه السلام- من غير أب؛ ليكون معجزة دالة على قدرته، ويعظ بها بني إسرائيل الذين غرقوا في الماديات، قال تعالى: «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً» [المؤمنون:50].

ثم عندما بعدت عن قومها بعض الوقت من أجل العبادة أتاها جبريل -عليه السلام- في صورة بشر، فاستجارت بالرحمن ليرحمها من شر إنسان لا يوجد غيره وغيرها في المكان، وذكرته بالله والخوف منه، فطمأنها جبريل –عليه السلام- أنه لن يصيبها بشر، وأخبرها أنه رسول من الله جاء ليبشرها بغلام سيكون آية للناس ووجيها في الدنيا والآخرة؛ فتعجبت من ذلك، وقالت: «رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [آل عمران: 47].

وفي هذه القصة دروس كثيرة، منها: استحباب الخلوة للعبادة، واستحضار الخوف من الله دائمًا، وفضيلة عفة المرأة.

وعندما نفخ جبريل –عليه السلام- في جيب قميصها وصلت النفخة بقدرة الله إلى رحمها وحملت؛ فخرجت إلى مكانٍ بعيدٍ خشية من اتهام قومها لها، وعندما أتتها آلام الطلق استندت إلى نخلة.

كانت تعاني في هذا الوقت من عدة كروب: كرب الولادة، وكرب الوحدة في هذا الوقت، والكربة الكبرى: ماذا ستقول لقومها عندما ترجع لهم ومعها طفل! وبسبب هذا قالت: «يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا»، [مريم: 23]، فأوحى الله تعالى أن تهز النخلة كي يتساقط عليها رطب، وأمرها أن تمتنع عن الكلام عندما يراها قومها.

وعندما رآها قومها اتهموها بالزنا، فأشارت إلى مولودها ليسألوه، فقالوا: «كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا» [مريم: 29- 33].

المستفاد من القصة

نتعلم من ذلك حسن الظن، وأن نعلم أن قدرة الله فوق ما تتخيله عقولنا، والدروس من هذه القصة أكثر من أن نحصيها هنا؛ فنريد أيها القراء أن نقرأ قصة مريم –عليها السلام- ونتدبرها جيدًا؛ عسى الله تعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال نسائنا.

بقلم الشيخ: إبراهيم الديساوي



0
0
0
0
0
0
0