أيها القراء الأحباب، تعد الشائعات من أخطر أسلحة الحروب قديمًا وحديثًا، فكم من دولٍ خُربت؟! وكم من جيوشٍ هُزمت؟! وكم من عروشٍ أُسقطت؟! وكم من أوقاتٍ ضُيعت؟! وكم من أموال أُهدرت؟! وكم من علاقاتٍ فُككت؟! وكم من صداقاتٍ فُرقت؟! وكم من بيوتٍ دُمرت؟! وكم من أبرياءٍ خوفت؟! كل هذا وأكثر بسبب الشائعات؛ لأن خطرها عظيمٌ على الأممِ والمجتمعات.

تاريخ نشر الشائعات ونماذج لبعضها:

إن تاريخ الشائعات قديم قِدَم وجود الإنسان على هذه الأرض، ولم يسلم منها الأنبياء والصالحون، فهذا نوحٌ -عليه السلام- أشاع قومه عنه أنَّ هدفه من الدعوة ليس وجه الله، وإنما هدفه هو التفضل عليهم ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: 24] ثم أشاعوا عنه ضال: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: 60] ثم أشاعوا عنه أنه مجنون: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِر﴾ [القمر: 9].

وهذا نبيُّ الله هود -عليه السلام- أشاع قومه عنه أنه سفيه: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف:66] ثم أشاعوا أنه أصيب في عقله: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ فرد عليهم: ﴿ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: 53-55].

 وأشاع فرعون وحاشيته عن موسى -عليه السلام- أنه ساحر فقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: 109-110] وأشاع فرعون أيضًا أن موسى -عليه السلام- يريد أن يظهر في الأرض الفساد، فقال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26] قال الإمام الطبري: (ظهور الفساد عند فرعون هو تبديل الدين). وهذا عجيب؛ لأنه رأى أنَّ عبادة خالق هذا الكون ومالكه ومدبر أموره فسادًا، ولم ير ادعاءه الألوهية وقوله: أنا ربكم الأعلى كذلك.

ولم تكن الإشاعات على نبي الله موسى -عليه السلام- من فرعون وملئه فقط، بل كانت من بني إسرائيل أيضًا، فقد أشاعوا عنه أن في جسده برص؛ فبرأه الله مما قالوا.

وادعى اليهود أن مريم -عليها السلام- أتت الفاحشة، وقد وصف الله تعالى قولهم هذا بالبهتان العظيم، وادعوا أيضًا أنهم صلبوا نبي الله عيسى -عليه السلام.

أما خاتم الأنبياء والمرسلين، وخير خلق الله أجمعين، فقد تعرض لشائعاتٍ لم يتعرض لها أحدٌ قبله، ولن يتعرض لها أحدٌ بعده، فقد قال كفار قريش عنه أنه ساحرٌ وكاذبٌ وشاعرٌ ومجنون.

ولم تتوقف الإشاعات على شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- والدين الذي جاء به وحسب، بل تعدت أيضًا إلى عرضه الطاهر، فقد أُشيع الإفك عن الصديقة بنت الصديق، وأم المؤمنين، وأحب خلقِ الله إلى رسول الله، السيدة عائشة -رضي الله عنها.

أسباب ترويج الشائعات:

يوجد أسباب عديدة، أهمها:

أولًا: الحسد، فكثير ممن ينشرون الشائعات يكون دافعهم لذلك هو تمني زوال النعمة من خصمهم، سواءً كانت النعمة ملكًا، أم جاهًا، أم مالًا...

ثانيًا: الحصول على منافع، فكم من شائعاتٍ اقتصادية كان هدفها هو التأثير الإيجابي أو السلبي على بعض السلع؟! وكم من شائعاتٍ عسكرية كان هدفها هو الهزيمة النفسية العدو؟!

ثالثًا: الجهل، فكثيرٌ من الجهلة ينشرون بعض الافتراءات والمختلقات على أنها حقائقٌ مسلَّمةٌ لا تقبل الجدل، فالجهل مدمرٌ لصاحبه وللمجتمع الذي يعيش فيه.

خامسًا: أمراض القلوب، فكثير من المشكلات التي تقع على البلاد والعباد سببها مرض القلوب، فمرض القلوب يدفع إلى كلِّ شر، وينهي عن كلِّ خير.

وسائل القضاء على الشائعات:

لقد نهانا الله تعالى عن نشر الشائعات بين الناس، ووضع وسائل وأساليب للوقاية منها والقضاء عليها، من أجل الحفاظ على تماسك المجتمع وترابطه، لقد أمرنا الله تعالى بالتثبت عندما نسمع أي خبرٍ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، ويجب على ناقل الشائعة أن يتذكر أن الملائكة تكتب ما يقول وما يفعل، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10-12]، ويجب عليه أن يتذكر أن الله يعلم الأذى الذي يفكر فيه للمسلمين، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 235].

ويجب أن يقدم المسلم حسن الظن بأخيه المسلم، قال الله تعالى في حادثة الإفك: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: 12].

ويجب على المسلم أن يطلب الدليل البرهاني على أية إشاعة يسمعها، فقد قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 13]، وكان عمر عندما يريد التثبت من كلام أحد الناس: والله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا.

وروى الإمامان أبو داود وأحمد عن أبي مسعودٍ – رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «بئس مطيَّةُ الرجل: زعموا»( ) في هذا الحديث ذم نبينا -صلى الله عليه وسلم- من لم يتثبت في نقل الأخبار. قال الإمام ابن حجر -رحمه الله: الأصل في زعم أنها تقال في الأمر الذي لا يوقَفُ على حقيقته. قال الإمام المناوي -رحمه الله: قوله -صلى الله عليه وسلم: «بئس مطية الرجل» المطية بمعنى المركوب، (زعموا) الزعم قريب من الظن؛ أي: أسوأ عادةٍ للرجل أن يتخذ لفظ زعموا




0
0
0
0
0
0
0