حين تشهد في شبابك حروبًا ودمارًا، تتأثر نفسك حتمًا بكل الدماء والقتال، وربما ترغب في الابتعاد عن كل هذا، أو تنجذب للمشاركة بنفسك وسط الأخطار ومواجهة الموت.

إرنست هيمنجواي الأديب الأمريكي الأشهر في العصر الحديث، كان يستوحي أدبه وقصصه من مغامراته وجولاته، ومصارعته الدائمة للموت، رغم أنه أنهى حياته الصاخبة بيديه.

الميلاد والاختيار

نتيجة بحث الصور عن ‪ernest hemingway boy‬‏

ولد «هيمنجواي» في 21 يوليو للعام 1899 بولاية شيكاجو الأمريكية لأب يعمل بالطب ويهوى الصيد، وأم تجيد العزف في الكنائس.

في العاشرة من عمره أهداه أبوه بندقية صيد كبيرة، أما أمه فأهدته آلة «تشيللو» ليعزف عليها، هكذا نشأ الطفل في بيئة تجمع بين المخاطرة والفن.

في الخامسة عشر من عمره هرب «هيمنجواي» من مدرسته الثانوية وبيته لمدة ثلاث سنوات، فهو لم يكن ميالاً للتعليم في الأصل، إلا أنه عاد ليكمل الثانوية ويتبعها بدراسة الصحافة.

تعلّم المغامر الشاب كتابة الأخبار بالأسلوب الصحفي الصارم، باستخدام الأحداث المختصرة المباشرة، ما انطبع في أسلوبه الأدبي الواضح كأنه يوصل «تلغراف» للقارئ دون حشو ومحسنات بديعية.  

الحرب والمواجهة

صورة ذات صلة
هيمنجواي في الحرب العالمية الأولى

بدأت المغامرة الحقيقية عندما بلغ «هيمنجواي» سن الـ18، فارتحل إلى فرنسا ليتطوع في وحدة الإسعاف أثناء الحرب العالمية الأولى في العام 1917، لتصيبه قنبلة مدفع هاون نمساوي بينما يداوي أحد الجرحى الإيطاليين.

انتقل المداوي الشاب فورًا إلى المستشفى ليعالج جروح رأسه وركبته الدامية، فأخرج الأطباء من ساقه 227 شظية، لكن التجربة كانت مفيدة في العموم لأنه التقى بإحدى ممرضات الصليب الأحمر وألهمته بالكثير مما سيؤلفه فيما بعد.

اعتبر النقاد رواية «وداعًا للسلاح» تحفة أدبية في تصوير انسحاب البطل وما شاهده من مآسي وأهوال، حتى أنهم قارنوها برواية «الحرب والسلام»

عاد «هيمنجواي» لأمريكا بعدما منحته السلطات الإيطالية ميدالية البسالة الفضية وصليب الحرب، لكنه سافر مجددًا حين بلغ الـ25 من عمره، هذه المرة في البلاد الأوروبية التي عرف فيها صفوة الفنانين والمثقفين.

حين زار باريس قال إنه يكتب القصص بمجرد التطلع إلى لوحات متحف اللوكسمبرج، لكنه ترك الفن وعاد مجددًا للحرب في مهمة صحفية، حين سافر للقسطنطينية - في تركيا - ليغطي أحداث الحرب التركية اليونانية.

شاهد «هيمنجواي» فظائع انسحاب الجيش اليوناني من المدن التركية وتقدم الأتراك للاستيلاء على هذه المدن، كل هذا ساهم في نظرته الأدبية عن الحروب والإنسان والكون.

«هيمنجواي» أديبًا

نتيجة بحث الصور عن ‪ernest hemingway‬‏

قرر «هيمنجواي» اعتزال الصحافة والتفرغ للأدب أخيرًا، فكتب أول أعماله بعنوان «3 قصص و10 قصائد» ثم أتبعه بخلاصة تجاربه مع الحروب والترحال في كتاب خواطر أسماه «في عصرنا»، ورأى فيه أن السلام الحقيقي لا وجود له في زمنه.

بعد هذا اتجه الأديب الشاب إلى ما يحبه مباشرة، وهو تقديم الواقع القاسي الحافل بالمآسي والأحزان إلى القارئ، وهذه الطريقة أحدثت انقلابًا أدبيًا وانتشرت في العالم كله بعدها.

لقد عبّر «هيمنجواي» عن آمال وأحلام الآلاف من الشباب والمرارة التي ملأت نفوسهم بعد الحرب العالمية الأولى، فقد اعتبر هذا الجيل الحائر أن القوة هي السبيل لعلاج الضعف الذي أصاب حضارة القرن العشرين.

أشهر روايات «هيمنجواي» في هذا الجانب كانت «وداعًا للسلاح» التي استوحاها من تجاربه الشخصية، مصورًا الحرب بكل ما فيها من وحشية وخسة ونذالة، وكيف هرب البطل من كل هذا الدم ليلحق بحيبته.

اعتبر النقاد رواية «وداعًا للسلاح» تحفة أدبية في تصوير انسحاب البطل وما شاهده من مآسي وأهوال، حتى أنهم قارنوها برواية «الحرب والسلام» رائعة الأديب الروسي «تولستوي».

لمن تقرع الأجراس؟

نتيجة بحث الصور عن لمن تقرع الاجراس

سيطرت نزعة الموت على قطاع كبير من أعمال «هيمنجواي» التالية مثل «الموت في الأصيل»، و«الرابح لا يأخذ شيئًا»، ما دفع البعض لاستنتاج أنه يتحدى الموت بكل رحلاته وأسفاره الخطيرة.

بالفعل شارك «هيمنجواي» في الحرب الأهلية الأسبانية بين الجمهوريين والفاشيين بين عامي 1936 و1939، وحارب في جانب الجمهوريين  لاقتناعه أن الفاشية (الحكم الشمولي) كارثة حقيقية، فالعالم كيان واحد لا يتجزأ، ولو أصيب جزء ما بالعدوى فالجميع مصابون.

كتب «هيمنجواي» وقتها إحدى أشهر رواياته «لمن تقرع الأجراس؟» وذكر فيها وجهة نظره الإنسانية، بأن فقدان الحرية في أي بلد هو فقدان الحرية في كل مكان، وقال على لسان أحد أبطاله: «ما من إنسان يمكن أن يكون جزيرة منعزلة ومستقلة عما عداها، بل إن كل إنسان جزء من قارة. إن موت أي إنسان يُنقص مني أنا، لأنني والجنس البشري كلٌ متماسك، لا أوافق من يسألني لمن تقرع الأجراس؟، فالأجراس تدق لك أنت».

مع انتصار الفاشية في إيطاليا وأسبانيا شعر «هيمنجواي» بالانكسار وضياع القيم التي حكى عنها في روايته، وتلاشى كل هذا في عمله التالي «عبر النهر وفي جوف الأنهار» الذي لم يحقق النجاح المعتاد بسبب نزعة غرور وضعف مفاجئة أصابت صاحبه.

 العجوز والبحر

صورة ذات صلة

يبدو أن أديب الخطر والمغامرة قرر أن يحسم معركته مع الحياة في رواية قصيرة مركزة أسماها «العجوز والبحر»، وتحكي ببساطة عن صياد قوي بلغ الشيخوخة فصار ضعيفًا متصابيًا، ويخرج وحده للصيد دون مساعده الصغير.

ينجح العجوز في اصطياد سمكة ضخمة ذكرته بشبابه، لكنه يصارعها لوقت طويل ويحدثها بشكل فلسفي قائلاً: «ها قد اشتبكنا معًا، وما من أحد يساعد أي واحد منا، إنك قد تقتلينني ولك الحق في ذلك، فتعالي وافعليها، فلا أبالي من منا يقتل الآخر».

يصور «هيمنجواي» بطله ككل إنسان تحت رحمة الشيخوخة والظروف، وبينما يصارع العجوز سمكته يجد أسماك القرش تهاجم وتنهشها من كل ناحية، يحاول الدفاع عن سمكته بلا فائدة، ويعود بها في النهاية هيكلاً عظميًا فقط.

فازت الرواية بجائزة نوبل في العام التالي 1954، وقالت اللجنة عن سبب فوز صاحبها «تقديرًا لبراعته الفائقة في فن الحكاية مع الأسلوب القوي في الرواية المعاصرة».

نهاية المغامر   

تابع «هيمنجواي» رحلاته في عامي 1959 و1960 حين طاف مرة أخرى في إسبانيا، وهناك انتشرت إشاعة بوفاته، فعلق الأديب ساخرًا «إن المرء يحيا في إسبانيا ولا يموت فيها».

وحين عاد إلى أمريكا مجددًا، لاحظ المقربون منه تغيرًا كبيرًا، فقد شعر بالقلق على حياته ومستقبله ككاتب بعدما أصبح أقل في الحركة والنشاط والإقدام مع وصوله لسن الستين، ما أصابه بالاكتئاب والشعور بالاضطهاد.

ذكر «هيمنجواي» أكثر من مرة عزمه على الانتحار، ما دفع زوجته إلى علاجه في مستشفى «مايو كلينيك» باسم مستعار، هناك تلقى عدة جلسات كهربية، وخرج بعدما تحسنت حالته.

كل هذا لم ينفعه، فقد سمعت زوجته طلقة البندقية في الطابق السفلي من البيت وهرعت إلى هناك لتجد زوجها منتحرًا، كأن الأديب المغامر أبى ألا تهزمه الشيخوخة والضعف، لقد نجا من الموت كثيرًا حتى طلبه في النهاية.




المصدر

*أدباء فازوا بجائزة نوبل.. دكتور أنيس فهمي إقلاديوس

2
0
0
0
0
0
0