تعد رابعة العدوية أحد أهم ركائز التصوف الإسلامي، خاصة أنها وضعت مدرسة متفردة هي «العشق الإلهي» وكان لها مريدين وطلاباً ساروا على دربها فيما بعد.الدكتور عبدالحكيم عبدالغني قاسم ألقى الضوء على جوانب من حياتها وتأثير ذلك على مدرستها الصوفية في كتابه «المذاهب الصوفية ومدارسها».

المستشرقون والمصادر العربية

بعض المستشرقين يرجعون نسب رابعة إلى أصول فارسية وأخرى مسيحية، والهدف من ذلك برأي الدكتور عبدالحكيم هي محاولة غير علمية لتشويه التصوف الإسلامي بأنه مستمد من التصوف الفارسي القديم أو من الرهبنة المسيحية أو التصوف الهندي، وهي محاولات غير موضوعية قامت على التخمين وليست المنهج العلمي السليم المعروف.

عض المستشرقين يرجعون نسب رابعة إلى أصول فارسية وأخرى مسيحية، والهدف من ذلك برأي الدكتور عبدالحكيم هي محاولة غير علمية لتشويه التصوف الإسلامي بأنه مستمد من التصوف الفارسي القديم أو من الرهبنة المسيحية أو التصوف الهندي

أما المصادر العربية فرغم اختلافها في نسب رابعة وأسرتها إلا أنها تتفق على أن الأصول في التصوف الإسلامي مستمدة من القرآن والسنة، وأن رابعة العدوية من أصل عربي وأن قبيلتها قيسية، وأنها كانت لامعة الذكاء والإيمان والحس منذ طفولتها، وأنها حفظت القرآن وحافظت على الصلاة، وأنها ذاقت مرارة اليتم وهي في سن الشباب وأن أخواتها جميعاً بنات.

كما تتفق المصادر العربية جميعها في قصة رابعة وظروف حياتها والمتاعب التي واجهتها منذ المجاعة التي شملت البصرة وفرقت بينها وبين أخواتها يضربن جميعاً الأرض تلمساً للقوت.

ونتيجة لهذا القحط انتشرت عمليات قطع الطرق بواسطة اللصوص ومعهم تجار الرقيق بعيدة عن أعين الناس يلتمسون صيداً ثميناً، وشاء القدر أن تكون رابعة هذا الصيد فتقع في أيديهم كما تقع في العبودية، فباعها التاجر الذي اختطفها بستة دراهم وهذا مبلغ ضئيل لأي فتاة تعرض في أسواق العبيد.

نالت رابعة من سيدها الجديد ألواناً كثيرة من العذاب والقسوة، ولكنها تحملت كل ذلك، وبدأت تهرب من عذابها وضيق حياتها إلى سعة إيمانها الكبير الذي أغرقها في بحور المناجاة.

غرقت رابعة أكثر في صلاتها ساجدة تشعر بالنور يغمر كل كيانها وهي تقول «إلهي أنت تعلم أن قلبي يتمنى طاعتك ونور عيني في خدمتك ولو أن الأمر بيدي ما انقطعت لحظة عن مناجاتك، ولكنك تركتني تحت رحمة هذا المخلوق القاسي». وتشير المصادر العربية إلى أن سيدها أعتقها دون أن توضح السبب.

العشق الإلهي

عاشت رابعة العدوية في فجر الانبثاق العلمي الإسلامي، فقد بلغت موجة الفتح العربي غايتها في القرن الأول الهجري، وهيمن عالم القرآن والسنة على الأمة الإسلامية، وبدأ العالم الإسلامي يلتفت إلى الجوانب الثقافية والفكرية والعلمية والتنقيب عن الآراء الفلسفية والجدلية، والبحث عن التراث القديم للأديان السماوية.

انتشرت عمليات قطع الطرق بواسطة اللصوص ومعهم تجار الرقيق بعيدة عن أعين الناس يلتمسون صيداً ثميناً، وشاء القدر أن تكون رابعة هذا الصيد فتقع في أيديهم كما تقع في العبودية، فباعها التاجر الذي اختطفها بستة دراهم وهذا مبلغ ضئيل لأي فتاة تعرض في أسواق العبيد.

في تلك الأجواء أخذت مدارس المنطق ومعاهد الجدل تأخذ طريقها إلى أبواب الفقه الإسلامي وإلى ساحات التفسير، فترسي قواعدها التي لم تكن معروفة في الصدر الأول للإسلام. وبالطبع كان لابد من حركة مقاومة سريعة للوقوف في وجه هذا التيار.

وجاءت رابعة ومدرستها في تلك الفترة لتحول الزهد إلى محبة، والرهبة والخوف والبكاء إلى خشية والعقيدة إلى بساطة، والفلسفة إلى إيمان، والفقه إلى تعبد وأخلاق، فأرست قواعد مدرسة فريدة جديدة من نوعها في الإسلام هي مدرسة «الحب الإلهي»، فجعلت من الحياة أنشودة سماوية تهتف بحب الله، وجعلت الطاعة عملاً ذا روح.

وتعد رابعة أستاذة علم النفس الصوفي بلا منازع، إذ عرفت النفس البشرية وطبيعتها وعوامل اعتلالها وعوامل شقائها إذا مرضت، وعوامل صفائها ونقاء معدنها ومراحلها وذلك عن طريق المنهج الذي وضعته لمدرستها.

محاور المدرسة

وتقوم مدرسة الحب الإلهي على أربعة محاور أولها التوبة، حيث يبدأ الصوفي صفحة جديدة في حياته ويطبق ذلك بطريقة نظرية وعملية في آن واحد، فالنظرية مزيج من الاستغفار والشوق إلى الله، ويأتي ذلك من داخل العبد ذاته ويحس به إحساساً قوياً، أما العملية فهي قيام الليل في الصلاة وقراءة القرآن واستذكار الموت وما بعده من عقاب وثواب.

وتعد رابعة أستاذة علم النفس الصوفي بلا منازع، إذ عرفت النفس البشرية وطبيعتها وعوامل اعتلالها وعوامل شقائها إذا مرضت، وعوامل صفائها ونقاء معدنها ومراحلها وذلك عن طريق المنهج الذي وضعته لمدرستها.

ثاني محاور المدرسة العدوية هي الرضا الذي يحاول الصوفي الوصول إلى درجته، فإن بلغها لا يبالي بأحداث الحياة، فيرتقي إلى أعلى درجات الرضا ويستوعب أن كل شيء في الوجود من قضاء الله وقدره. وتعد هذه الدرجة من كمال العبودية للخالق.

أما المراقبة فتمثل المحور الثالث للمدرسة، وتعني مراقبة النفس والقلب مراقبة دقيقة ومحاسبة شديدة، والإحساس بمراقبة الله لمخلوقاته لأنه يراهم في كل تحركاتهم أينما حلوا وأينما ارتحلوا.

وتعد المحبة المحور الرابع للمدرسة العدوية والعمود الفقري لها، وتعني حب الله حباً شديداً ليس خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته. وقد قالت رابعة حينما سئلت عن الجنة فقالت: «الجار ثم الدار» أي تنشده قبل أن تنشد جنته.. وسئلت عن حقيقة إيمانها فأجابت: «ما عبدته خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته فأكون كالأجير السوء بل عبدته حباً له».

 



0
0
0
0
0
0
0