رغم كل الظروف والعراقيل والمعطيات الاجتماعية المانعة، خرجت المرأة المصرية إلى العمل في العصر المملوكي، وتركت تأثيراتها على الوضع الاقتصادي آنذاك، بيد أن تلك التأثيرات امتدت أيضاً لنقاشات فقهية وأخرى تتعلق بطبيعة علاقة الزوجة العاملة بزوجها.

مهن النساء في العصر المملوكي.. قابلات وماشطات

في المجتمع المملوكي، بل في سائر المجتمعات الإسلامية الأخرى في العصور الوسطى، مُثلّت المرأة في نطاق محدود من المهن استناداً إلى نوع جنسها، إذ قدمت المرأة خدماتها المتعلقة مباشرة بحياة الأنثى كالقابلات (رعاية النساء المقبلات على الولادة) والماشطات (يساعدن العروس في زينتها) والخاطبات ومغسلات الموتى من النساء، وكذلك الخادمات في الحمامات والمستشفيات.. وقد دُفع للقابلات والماشطات بسخاء، حتى اعتبرت هاتان المهنتان من المهن المربحة جداً.

وكان مشهد البائعات الجائلات من الإناث بقماشهن مشهداً مألوفاً، كما كان لهن دور حاسم في توزيع منتجات صناعة الغزل والنسيج، فقد امتلكن ميزة الوصول إلى أسر النخبة آنذاك.

أما المهن التي لم تتطلب مهارة ما، فقد تنافست المرضعات والعاهرات على تقديم خدمات غير مدفوعة الأجر على نحو يتوافق ووضعهن كإماء وجواري.

كما نافست المرأة الرجل في عدد قليل من المهن التي تطلبت مهارة ما، فثمة إشارات إلى كل من الذكور والإناث الذين يعملون في تعليم الفتيات.

أما المزينون من الذكور والإناث فقد قدموا مجموعة متنوعة من الخدمات، كالفصد (وسيلة علاجية تعتمد على إخراج الدم) والحجامة، وتنظيف الأسنان وتبييضها، أما إزالة الشعر الزائد لدى النساء فقد كان من اختصاص المزينات من الإناث فحسب.

جدل فقهي حول عمل المرأة

ومع ذلك فإن الغالبية العظمى من النساء عملن في إنتاج المنسوجات سواء الحياكة أو التطريز، باعتبارها الحرفة التقليدية المجزية للإناث، وكان النساء اللائي عملن بها يتمكن من أداء هذه المهام في المنزل. وقد أثار عمل المرأة جدلاً فقهياً حتى أن الفقيه أبو عمرو عثمان المعروف بن المفتي والمعروف بابن الصلاح أفتى بأنه ليس من صلاحيات الزوج منع زوجته من العمل ف منزلها في التطريز والغزل أو الحياكة.

بيد أن عمل المرأة اقتضاها الخروج من المنزل في مرحلة ما، إذ لزمها شراء المواد الخام، كما لزمها بيع المنتج النهائي. ومن ثم فإن الحاجة الملحة لخروج المرأة العاملة أشرف على تنظيمها الفقهاء المعاصرون.

إذ كان ينبغي أن يكون اتصال الأرامل والمطلقات في فترات العدة بالغرباء في حدوده الدنيا، لكنهن على الرغم من ذلك، احتفظن بالحق في مغادرة منازلهن خلال اليوم، سواء لشراء المواد الخام أم لبيع الخيوط الجاهزة، كما سُمح لهن أيضاً بالذهاب إلى بيوت جيرانهن ليلاً للغزل وتجاذب أطراف الحديث معهن.

أهمية اقتصادية

ولا يوجد دليل على أهمية المرأة في الاقتصاد الحضري أكثر مما حدث في سنة 1438، عندما ألقى السلطان برسباي بأسباب انتشار الطاعون في البلاد على عاتق النساء لفجورهن، فأصدر مرسوماً حظر فيه على جميع النساء ارتياد الشوارع والأسواق في القاهرة.

وكانت نتائج هذا المرسوم كارثية، فقد كتب تقي الدين المقريزي في كتابه «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» عن المحن التي أصابت الأرامل ومن لا عائل لهن، وربات الصنائع، وحتى المتسولات منهن، ثم امتد الضرر إلى أسواق الملابس والعطور، التي أضحت خاوية من عملائها المعتادين.

وجاء الغوث الجزئي بعد ثلاثة أيام من تطبيق الحظر، عندما سُمح للجواري بالخروج لشراء اللوازم المنزلية الأساسية، وكذلك سُمح للنساء العجائز بالخروج للضرورة، وظل الحظر العام على النساء سارياً لأسبوع آخر على الأقل.

غير أن هذا الموقف لم يكن قاعدة تتعامل بها الدولة مع المراة العاملة، فقد انحازت إليها في بعض الفترات التاريخية. في نهاية القرن الخامس عشر حاولت السلطات حماية رزق الغزّالات ضد تقلبات السوق، لذا ألغى أحد الأمراء الضرائب المفروضة على الغزالات من النساء، وخلال المجاعة التي عمت البلاد عام 1487 انخفضت قيمة النقود النحاسية، وصدرت الأوامر للتجار بالدفع للغزالات بالنقود الفضية نظير غزلهن.



المصدر

*كتاب «الزواج والمال والطلاق في المجتمع الإسلامي في العصور الوسطى». الدكتور يوسف رابوبورت. ترجمة أحمد العدوي.      *كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار». تقي الدين المقريزي.

0
0
0
0
0
1
0