رغم الشهرة والنجومية التي حققتها بديعة مصابني في النصف الأول من القرن العشرين، إلا أن الحال انتهى بها كبائعة للأجبان في محل أسسته لتقي نفسها عثرات الزمن. القصة كاملة رواها زياد عساف في الجزء الثاني من كتابه «المنسي في الغناء العربي»، ونستعرضها معكم في هذا التقرير من «شبابيك».

مزرعة ومحل أجبان

في محل بيع الأجبان الذي أسسته، وقفت بديعة مصابني تلبي طلبات الزبائن وقد تجاوزت العقد السابع من العمر. عُكازها عصا خشبية وبعض ذكريات جميلة من أيام المجد التي عاشتها في مصر منذ بداية عشرينات القرن الماضي، عندما تربعت على عرش المسرح الغنائي الاستعراضي لأكثر من 30 سنة، وتخرّج على يديها كبار نجوم الغناء، والتمثيل، والرقص في بداية مشوارهم.

بعد كل ما حققته من نجومية وشهرة، انتهى الحال بشرائها مزرعة لتربية الدواجن في مدينة شتورة اللبنانية، وأتبعته بمحل لبيع الأجبان والألبان والطيور والذي ما زال موجوداً إلى الآن، وتعلوه يافطة تحمل اسمها «محل بديعة مصابني»، وهي آخر ما تبقى من ذكراها بعد وفاتها.

نشأة قاسية

«وديعة» كان اسمها الأصلي، ولجمالها البديع أطلق عليها الناس «بديعة»، وهي من أسرة عملت في مهنة الصابون، فأصبحت العائلة تُعرف بلقب «مصابني»، ومن هنا تشكل اسمها الفني «بديعة مصابني» الذي لا يرتبط بها كأسطورة في عالم الرقص، والغناء، والتمثيل فقط، إنما يعكس تجربة تعبر عن واقع ثقافي واجتماعي وسياسي عاشته مصر إلى أواخر أربعينات القرن العشرين.

في محل بيع الأجبان الذي أسسته، وقفت بديعة مصابني تلبي طلبات الزبائن وقد تجاوزت العقد السابع من العمر. عُكازها عصا خشبية وبعض ذكريات جميلة من أيام المجد التي عاشتها في مصر منذ بداية عشرينات القرن الماضي، عندما تربعت على عرش المسرح الغنائي الاستعراضي لأكثر من 30 سنة، وتخرّج على يديها كبار نجوم الغناء، والتمثيل، والرقص في بداية مشوارهم.

في أسرة مكونة من سبعة أشقاء (أربعة بنين وثلاث بنات)، ولدت «بديعة» عام 1891 من أب لبناني «حبيب مصابني»، وأم شامية «جميلة الشاغوري». وفي مدينة دمشق أقامت العائلة لتعيش من خلال مصنع الصابون الذي امتلكه الأب، وسرعان ما توفى حسرة على مصنعه الذي داهمه الحريق وخسرت الأسرة معيلها الوحيد.

غير أن صدمة كبيرة كانت في انتظارها بعد وفاة الأب، تمثلت في تعرضها للتحرش الجنسي من قبل صاحب الخمارة التي كان شقيقها الأكبر يتردد عليها. تركت هذه الحادثة في شخصيتها آثاراً مدمرة ظلت تصاحبها طيلة حياتها.

أمام الظروف القاسية التي واجهتها الأسرة بعد وفاة الأب، لم يكن أمام والدتها سوى الهجرة لأمريكا اللاتينية. هناك التحقت «بديعة» بمدرسة الراهبات، ولاحظت المدرسات ميولها ومواهبها الفنية، وبدأت تشارك بالتمثيل والغناء في النشاط المسرحي والغنائي، كما تعلمت أصول الرقص وبدت أكثر ميلاً واتقاناً لهذه الهواية حتى جاء اليوم الذي أصبحت فيه ملكة الرقص الشرقي في زمنها.

في المهجر لم يكن أمامها خيار لتساعد والدتها في النفقات سوى أن تتوقف عن الدراسة لتعمل في مهنة الخياطة، إلا أن الدخل لم يكن كافياً، فكانت وجهتها الذهاب إلى مصر مع والدتها بحثاً عن خالها المقيم هناك.

صدفة فنية

في القاهرة ساقتها الأقدار للدخول في مجال الفن. ذهبت في زيارة لحديقة الأزبكية، وهناك التقت بشخص اسمه فؤاد سليم وعرّفها بدوره على ابن بلدها الفنان جورج أبيض الذي ضمها إلى فرقته، وشاركت معه في بعض الأدوار كممثلة.

في تلك الفترة كان الفنان أحمد الشامي، صاحب فرقة مسرحية غنائية خاصة به، يبحث عن فتاة تجيد التمثيل إضافة إلى الرقص والغناء، ووجد ضالته يومها عند «بديعة».

طافت «بديعة» المحافظات المصرية مع فرقة الشامي لتقديم عروض مسرحية استعراضية، وأسندت إليها أدوار البطولة بهذه الأعمال مقابل راتب شهري جيد، وبعد ارتباطها مع الفرقة لعدة شهور قررت العودة إلى لبنان تغني على مسارح بيروت وتقدم وصلات من الرقص في الصالات المعروفة هناك، ثم أقامت حفلات عديدة في دمشق وحلب وفي المدن الفلسطينية حيفت ويافا والرملة ونابلس والقدس وغزة.

كسل الريحاني

لا يمكن فصل مسيرة بديعة مصابني عن ملك الكوميديا في زمانه نجيب الريحاني. من خلال الأعمال التي جمعتهما نشأت بينهما قصة حب وجمعهما الزواج الذي لم يستمر لأكثر من سنة، وقررا الطلاق إلا أن اتباعهما المذهب الكاثوليكي حال دون ذلك، فاتفقا عام 1925 على الهجر ورغم ذلك ظلت بينهما صداقة.

وفي حديث إذاعي في أواسط الستينيات أرجعت «بديعة» سبب عدم استمرارية الحياة الزوجية بينهما إلى اختلاف الطباع، كونها فنانة تعمل بعقلية «البيزنس» وجادة في عملها، أما «الريحاني» فعلى النقيض من ذلك، كان مزاجي الطباع يميل للنوم كثيراً لدرجة الكسل والإهمال بما لا يتوافق مع طموحها الذي ليس له حدود.

الهروب من مصر

بعد خلافها مع «الريحاني»، قررت «بديعة» أن تستقل بذاتها، فهجرت المسرح نهائياً وأنشأت فرقة خاصة بها، كما افتتحت صالة ليلية باسمها في شارع عماد الدين، انطلق من خلالها نجوم الفن والغناء في مصر والوطن العربي، أمثال محمد فوزي، وفريد الأطرش، وأسمهان، وإبراهيم حمودة، ومحمد عبد المطلب، وأحمد عبد القادر، ومحمد الكحلاوي، وإسماعيل ياسين، وثريا حلمي، وفتحية أحمد، ونجاة علي، وماري جبران، إضافة للمشاهير من الراقصات فيما بعد تحية كاريوكا، وسامية جمال، اللتان تتلمذتا في الرقص على يد «بديعة».

لا يمكن فصل مسيرة بديعة مصابني عن ملك الكوميديا في زمانه نجيب الريحاني. من خلال الأعمال التي جمعتهما نشأت بينهما قصة حب وجمعهما الزواج الذي لم يستمر لأكثر من سنة، وقررا الطلاق إلا أن اتباعهما المذهب الكاثوليكي حال دون ذلك، فاتفقا عام 1925 على الهجر ورغم ذلك ظلت بينهما صداقة.

افتتحت باسمها أيضاً «كازينو بديعة» المختص بالموسم الصيفي، وكان موقعه مكان شيراتون القاهرة الآن، وأطلق الناس على الكوبري المؤدي للكازينو «كوبري بديعة»، وهو كوبري الجلاء حالياً.

كان معظم الزبائن من السياسيين وجنود الاحتلال البريطاني، وكان «كازينو بديعة» أكاديمية فنية خرّجت كفاءات في مجالات الفنون عامة من الغناء، والتمثيل، والرقص، وفن المونولوج.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت «بديعة» تتراجع شيئاً فشيئاً، نتيجة اتجاه الفنانين الذين اكتشفتهم للسينما التي طغت على المسرح الغنائي الاستعراضي. وفي تلك الأثناء طالبتها مصلحة الضرائب بدفع المستحقات المالية المفروضة عليها عن طيلة سنوات عملها في القاهرة، وكان المبلغ المطلوب حينها 84 ألف جنيه.

جمعت «بديعة» ثروتها، وقررت الهروب إلى لبنان بعد أن تعاون معها صديق بريطاني ساعدها في تهريبها، وكان ذلك عام 1949.



المصدر

كتاب «المنسي في الغناء العربي. الجزء الثاني». زياد عساف.

1
0
1
0
0
0
0