لم يكن ذلك الصبي الأمي الذي نشأ في محافظة الأقصر يتخيل أنه سيكون يوماً ما حديث الصحافة العالمية، بسبب الأغاني الفلكلورية التي يؤديها ممسكاً بربابته.

تمثال في هولندا

«أعظم فنان شعبي في العالم». عبارة كُتبت في أسفل التمثال الذي صُنع له خصيصاً في متحف «مدام طوسون» في مدينة أمستردام بهولندا، بعد أن زارها في إحدى السنوات وغنى على مسارحها في أكثر من حفلة، فأبهر جمهور الحاضرين بفنه، وأخذ الناس يومها يتسابقون لالتقاط الصور معه تخليداً لذكرى جميلة عاشوها، مستمتعين بما قدمه من الفن الغنائي للأقصر التي وُلد وعاش بها وعبر عن هويتها الثقافية وما تمتاز به من الفلكلور والتراث وجمال اللهجة الخاصة بأهلها.

عرفه الناس باسم «الريس متقال» وألفوه بالشارب الكثيف الذي يغطي وجهه والجلابية والربابة التي عشقها منذ طفولته. عندما كان برفقة والده ذات يوم ولمحها معلقة في أحد محال الباعة ألّح على شرائها، لتبدأ من هنا مسيرة فنان أبدع بفنه بقدر ما بقي محتفظاً بالبساطة والعفوية التي افتقدناها عند أغلب المطربين الذي جاءوا بعده وإلى الآن.

«أعظم فنان شعبي في العالم». عبارة كُتبت في أسفل التمثال الذي صُنع له خصيصاً في متحف «مدام طوسون» في مدينة أمستردام بهولندا، بعد أن زارها في إحدى السنوات وغنى على مسارحها في أكثر من حفلة.

على الأرجح ولد «متقال» في أواسط عشرينيات القرن الماضي، وتغنى ذات يوم معبراً عن حبه لبلدته «الأقصر يا بلدنا.. فيكي توت عنخ آمون.. أرض بونا وجدودنا.. اسمك لن يهون»، تأثر بوالده الذي كان يجيد الغناء والعزف معاً، وبدأت خطواته الأولى مع الغناء الشعبي وهو في سن التاسعة ومن خلال الأفراح التي تخص الأقارب والجيران، ثم بالمشاركة مع الفرقة التي التي شكلها والده، إلا أنه سرعان ما استقل بذاته بتشكيل فرقة خاصة به، قدم من خلالها فقرات غنائية على الربابة للسائحين القادمين لمدينة الأقصر.

مطلب الرؤساء

في أحد الأيام تصادف أن التقى بمجموعة من المتخصصين بالفنون الشعبية، ووجهوا الدعوة له للحضور إلى القاهرة، وهناك التحق بالفرقة القومية للفنون الشعبية وكان ذلك عام 1965، ثم التحق بالفرقة الثقافية الجماهيرية بطلب من الكاتب والمخرج سعد الدين وهبة.

ومن هنا بدأت شهرته، فسجلت له شركات الإنتاج 21 أغنية على أسطوانات وشرائط كاسيت مع الفرقة الثقافية، وبدأت أولى إنجازاته المتميزة بالانتقال للعالمية وسافر لباريس، وهناك أصبح حديث الصحف والمجلات الفرنسية.

وصلت شهرته ذروتها بفترة السبعينيات من القرن الماشي، لدرجة أن رؤساء دول عالمية كانوا يطلبون الاستماع لأغانيه في الحفلات التي تعد خصيصاً لهم أثناء زيارتهم لمصر، ووجهت له دعوات للمشاركة في مهرجانات عالمية.

بهذه الفترة أيضاً أصبح الناس في البلاد العربية يرددون أعماله من خلال شرائط الكاسيت، وما يُعرض له على الشاشة الصغيرة من فقرات غنائية مصاحبة للرقص والفنون الشعبية، ومع كل هذه النجاحات التي حققها كان أمياً لا يجيد القراءة والكتابة.

التراث الصعيدي

بحضوره الساحر وصوته الجميل قدم الريس متقال مجموعة أغنيات أثرت في وجدان الإنسان العربي، وحفظها الناس لبساطتها وإيقاعها الراقص مع جمال الكلمات التي يغنيها، لدرجة أنه وبمجرد أن نلمح الفراولة نتذكر سريعاً أغنيته الشهيرة عندما تغنى بها «الفراولة يا بتاع الفراولة»، إضافة إلى أغاني أخرى له بنفس المستوى مثل «البت بيضا»، و«يا حلوة يا شايلة البلاص»، و«ميل واسقيني»، و«ضيعت مالي»، و«شبكني الهوى»، و«اتفرج على الحلاوة»، و«ليل يا أبو الليالي».

عُرف أيضاً بأداء الموال الذي يعبق بالحكمة والفلسفة الشعبية البسيطة مثل «يا بحر النيل»، و«يا نازل السوق»، و«ليه يا زمان».

لكن اللافت للانتباه أن معظم أغاني الريس متقال مستقاة من التراث والفلكلور الصعيدي، ولم يُذكر أنه غنى لملحنين مشهورين بالفترة التي برز بها مع أنه يستحق ذلك.

وفي الوقت ذاته يُلاحظ أن أغلب التسجيلات المتوفرة يبدو بها الصوت غير واضح، خصوصاً أن معظمها من تسجيلات الحفلات التي كان يقدمها وليس من داخل أستوديو، ويستدل على ذلك أنه لم يلق التوجيه الكافي خصوصاً أنه كان بسيطاً ولا يجيد القراءة والكتابة.

الزواج 9 مرات

تزوج الريس متقال 9 مرات وأنجب 25 من الأبناء والبنات، وكان من ضمن زوجاته الرقاصة هالة الصافي التي اعتزلت وارتدت الحجاب بعد ذلك.

من أبنائه من سلك طريق الغناء، وقدم اللون الصعيدي أيضاً مع إعادة لمجموعة من أغانيه، ومن الموجودين على الساحة الغنائية الآن ابنه المطرب حجازي متقال، الذي تعلم منه العزف ويعيد في الوقت نفسه مجموعة أعمال من تراث والده.

في سنواته الأخيرة عاش الريس متقال في ساقية مكي بالجيزة، وأنفق ما ادخره على الدواء والعلاج، حتى نفد ماله ووافاه الأجل عام 2004 بعد أن قارب الثمانين من العمر.



المصدر

كتاب «المنسي في الغناء العربي. الجزء الثاني». زياد عساف.

0
0
0
0
0
0
0