ابتسامة باهتة رسمها الأب على شفتيه قبل أن يدخل محل سكنه الكائن ببرج عمر بن الخطاب بحي سخا بمحافظة كفر الشيخ، لكن فكرة شيطانية كانت تدور في رأسه، وما أن دلف من باب شقته حتى شرع في التنفيذ.

في آخر ساعة من ليل العام المنقضى 2018، أقدم طبيب بشر ي في محافظة كفر الشيخ على قتل زوجته ذبحا، وألحق بها أبنائه الثلاثة أكبرهم 8 سنوات وأصغرهم 5 سنوات.

لم تكن هذه الجريمة هي الوحيدة التي وقعت خلال العام الماضي 2018، فقبلها وتحديدا في يناير الماضي أقدم أب على ذبح طفليه في مدينة المنصورة، وهو ما يشكل تهديدا خطيرا للأسرة.

أرقام مفزعة

في دراسة بعنوان «الدوافع الاجتماعية والاقتصادية لجرائم القتل في الأسرة المصرية»، للدكتورة حنان سالم، أستاذ علم الاجتماع الجنائي جامعة عين شمس، تشير إلى أن 63% من الجرائم أصبحت ترتكب داخل نطاق الأسرة.

كما أوضحت دراسة أن جرائم القتل العائلي تمثل من ربع إلى ثلث إجمالي جرائم القتل، وهو معدل ضخم ومخيف، وينذر بتطور الجريمة الأسرية ووصولها لمرحلة خطيرة.

وتقول الدراسة أن جرائم القتل العائلي في مصر تنحصر بين عدة أسباب أبرزها جرائم الشرف، والعجز الجنسي للأزواج، وانخفاض الوازع الديني، وانخفاض المستوى التعليمي أو الجهل، وخلافات الميراث، والضغوط النفسية والمشكلات الاجتماعية، واستجابة بعض الأشخاص للأزمات بطريقة مُدمِرة. لكن يبقى ثالوث الفقر والإدمان والبطالة الأبرز في الآونة الأخيرة.

ليس مرضيا

لكن الجوانب النفسية تشير إلى منحنيات أخرى قد تتسبب في القتل الأسري، فبحسب استشاري الأمراض النفسية الدكتور جمال فرويز فإن دافع القتل في غالبية هذه الجرائم ليس مرضيا، أو حالة نفسية، لأن طبيب كفر الشيخ على سبيل المثال الذي ذبح زوجته وأطفاله، أعد العدة لذلك ولم تكن الجريمة نتيجة لموقف عصبي أو شدة.

انهيار تشككي

 ويوضح الطبيب في حديثه لـ«شبابيك» أن من يقدم على هذه الحالة يمكن توصيفة نفسيا بطريقتين أولهما أنه يمر بحالة انهيار تشككي، وهذه الحالة تجعل المريض بها يشك في كل شيء، وإذا سيطرت عليه مثل هذه الحالة يمكن أن يقتل أقرب الناس إليه كما حدث في كفر الشيخ وغيرها.

قتل الصدفة

أما الطريقة الثانية التي يمكن تشريح شخصية القاتل نفسيا من خلالها تقول إنه فعل ذلك من قبيل الصدفة، وهو نوع من الانهيار العصبي اللحظي، الذي يصاب به الأشخاص فيقدم على قتل زوجته مثلا، وفي لحظة رؤيته للدماء يدخل في نوبة عصبية أخرى من خلالها يمكن أن يقتل أطفاله بطريقة وحشية.

ضياع الهوية

ويشير الطبيب النفسي إلى أن تكرار مثل هذه الجرائم نتاج طبيعي لضياع الهوية الثقافية للمصريين، بسبب موجات الأفكار الدخيلة التي قدمت إليهم على المستوى الفكري والديني، وهو ما ترتب عليه انحطاط أخلاقي وثقافي في المجتمع.

 ويشير إلى أن الانهيار الثقافي خلق حالة من الازدواجية في المجتمع المصري، وتسبب في انهيار العلاقات الاجتماعية في مصر، فتكثرت حالات الخيانة الزوجية، ولم تعد الحياة الأسرية مقدسة كما كان الأمر ي السابق.

 ويطالب فرويز بحملة توعية تشرف عليها الحكومة وتكون قائمة على أكثر من منحني أولها من وزارة التربية والتعليم، وعودة القيم مرة أخرى للمناهج، وأن تعود التربية كما كانت في السابق.

 ويطالب الخبير النفسي بعودة قصور الثقافة لما كانت عليه في السابق، إضافة لوزارة الشباب الذي يجب أن تلعب دورا وطنيا في تشكيل الهوية للمواطنين.

الأسباب قد تكون اقتصادية

ومن الناحية الاجتماعية يرى أستاذ علم النفس بالجامعة الأمريكية الدكتور سعيد صادق، أن الجرائم الأسرية موجودة في كل مكان في العالم وأنها ليست ظاهرة كما يروج الإعلام، فالأمر مجرد حادثة مروعة.

ويقول في تصريحات لشبابيك، إن الجريمة الأسرية عادة ما تحدث بسبب الأزمات الاقتصادية، أو في لحظة الانفصال، فبعض الرجال يرون أن طلب المرأة الطلاق يأتي على كرامته، بفعل الثقافة الذكورية الأبوية السائدة في مصر.

ويضيف أن بعض الأباء يفكرون في قتل ذويهم فيما يمكن تعريفه اجتماعيا بحالة «قتل العائلة» وتحدث كثيرا في الطبقة الوسطى وتحديدا عندما يتعرض الأب لمشكلة اقتصادية قد تؤدي إلى ضياع أسرته فيقرر إنهاء حياتهم حتى لا يشعرون بالآلام بعده.

ويشير صادق إلى أن تصنيف مصر دوليا في حالات القتل العمد والتي يندرج تحتها القتل الأسري متأخر فهي وفق آخر إحصاءات صادرة في عام 2018، تحتل المركز 130 تقريبا، وتسبقها دول مثل تركيا والسودان، وأثيوبيا وجنوب أفريقيا، بينما تتصدر دول أمريكا الجنوبية في معدلات القتل خصوصا فنزويلا.



2
0
1
0
0
0
1