يتسع تاريخ الاحتلال في كل بلد لسرد صور من أنواع البطش والتنكيل الذي مورس بحق شعبها، فمن القتل إلى التعذيب إلى التشويه إلى استغلال المقدرات والثروات حدث ولا حرج، وكل ذلك يحدث تحت راية الرسالة الحضارية المزعومة التي يحملها المحتل لشعوب الدولة المحتلة.

ولم يخرج الاستعمار البلجيكي للكونغو عن هذا السياق، وهذا ما استعرضته الدكتورة أزهار محمد عيلان في دراستها «تاريخ الكونغو السياسي 1885 - 1960».

بحلول عام 1885 عد الملك ليوبولد الثاني الكونغو جزءً تابعا لممتلكاته الشخصية

الفريسة الإفريقية

إذا كان لكل توسع استعماري العديد من الدوافع الاقتصادية الاستراتيجية التي تحدد معالمه الأساسية، فإن النموذج البلجيكي في الكونغو احتل موقعا فريدا في سجل التنافس الأوروبي حول المستعمرات، إذ أدت جملة من الدوافع الذاتية للملك ليوبولد الثاني (1835 – 1909) حفزته على ذلك الفعل، ومن ضمنها رغبة الامتلاك والتنافس مع الدول الأوروبية حول الفريسة الإفريقية.

بدأ الاحتلال ببعثة استكشافية بلجيكية وصلت الكونغو في أغسطس عام 1879 برئاسة المغامر هنري ستانلي، وانفق عليها ليوبولد من أمواله الخاصة، وفي الرحلة الاستكشافية الثانية نجح ستانلي في عقد سلسلة من الاتفاقيات الثنائية مع رؤساء القبائل لتأسيس اثنين وعشرين شركة تجارية على نهر الكونغو، وقامت هذه الشركات ببعض الأنشطة الاقتصادية ما منح نوعا من الاطمئنان في نفوس زعماء القبائل.

وبحلول عام 1885 عد الملك ليوبولد الثاني الكونغو جزءً تابعا لممتلكاته الشخصية، بل وأصدر مؤتمر برلين الذي عقد في نفس العام قرارا شرعيا يقضي بأن هيئة الجمعية الاستكشافية والملك لهم الحق في تمثيل الكونغو، ووفقا لتلك التحولات قدم ليوبولد الثاني مشروعا اقتصاديا ضخماً عكس فيه طروحاته التجارية والصناعية.

 وفي عام 1886 تألفت شركة الكونغو لاستغلال الثروات المعدنية، ليصبح بذلك أول مشروع بلجيكي في قلب القارة، ونواة لمشاريع احتكارية إذا أصبح هذا المشروع يتصل اتصالا مباشرا عن طريق فروعه بكل قطاعات النشاط الاقتصادي في الكونغو.

ليوبولد الثاني

 

ممارسات مأساوية

وإزاء هذه التطورات تعرض شعب الكونغو إلى كثير من المآسي، فقد كانت المدة التي حكم فيها ليبولد الثاني مليئة بأقسى أنواع الظلم والاستغلال، ففي عام 1885 أصدر قانونا يجعل كل هذه الأرض الفضاء في الكونغو ملكا شخصيا له.

وبمقتضى هذا القانون استطاع رجاله أن يجبروا أهل البلاد على ترك كل جزء من الأرض يروه يستحق التملك، فأصبحت كل موارد الكونغو من المطاط والعاج وهما السلعتين المعروفتين في البلاد يومئذ احتكار للسلطة التي تستمد وجودها من الملك ليوبولد الثاني، بل أصبحت الحكومة الحقيقية المالك المطلق لكل موارد البلاد.

وهكذا اندفع رجال الاحتلال يسخرون العمال الإفريقيين لإنتاج مقادير معينة من المطاط والعاج، فإذا فشل عامل فيما عهد به إليه كان جزاؤه التشويه أو القتل، حتى اعترفت مصادر بلجيكية رسمية أن سكان الكونغو كانوا 20 مليون نسمة سنة 1900، وأصبحوا في سنة 1906 12 مليونا فقط، وأن حكم ليوبولد كلف الكونغو ما بين خمسة إلى ثمانية ملايين قتيل.

وكان من أشنع ما في هذه الرسالة الحضارية التي حملها الاستعماريون على البلاد تقطيع أوصال الضحايا، إذ كان الشخص الذي لا يرضى عنه سيده يقوم بقطع يده أو قدمه، وكثيرا ما قُطعت الاثنان معا، خصوصا إذا فشل في إخراج قدر معين من الإنتاج.

اندفع رجال الاحتلال يسخرون العمال الإفريقيين لإنتاج مقادير معينة من المطاط والعاج، فإذا فشل عامل فيما عهد به إليه كان جزاؤه التشويه أو القتل، حتى اعترفت مصادر بلجيكية رسمية أن سكان الكونغو كانوا 20 مليون نسمة سنة 1900، وأصبحوا في سنة 1906 12 مليونا فقط، وأن حكم ليوبولد كلف الكونغو ما بين خمسة إلى ثمانية ملايين قتيل.

وكان رؤساء فرق العمال الأوربيين لكي يبرهنوا على كفاءتهم في ارتكاب هذه الجريمة البشعة يحملون إلى رؤسائهم سلات ملئت بالأيدي الأفريقية المقطعة، ما يرسم بشاعة الصورة الاستعمارية التي تركها البلجيكيون في الكونغو.

وعندما أصبحت الكونغو مستعمرة بلجيكية عام 1908 شهدت البلاد مساوئ لا تقل عن الفضائح التي أثارت الرأي العام في بداية القرن العشرين، والتي أدت إلى تحول إدارة الكونغو من ملك شخصي للملك ليوبولد الثاني إلى مستعمرة بلجيكية تابعة للحكومة.

في السياق الجديد وضعت قوانين تبيح السخرة بواسطة الحكومة أو الشركات من أجل ضمان العدد الكافي من العمال، كما قامت الشركات بإسكان العمال في مناطق قريبة من المناجم، وكانت الظروف الصحية من السوء إلى حد أن شاع الموت بنسب كبيرة بينهم، إذ وصلت نسبة الوفيات بين العمال المشتغلين في التعدين عام 1928 إلى 60 ألف عامل.

وصلت نسبة الوفيات بين العمال المشتغلين في التعدين عام 1928 إلى 60 ألف عامل


التفرقة القبلية سلاح المستعمر

وتزامنت تلك الممارسات مع اتجاه الاستعمار البلجيكي إلى تذويب كيان الكونغو في بوتقة التفرقة القبلية، من خلال تقسيم البلاد إلى وحدات متفرقة ومعزولة عن بعضها البعض وعن المحيط الخارجي، ونجحت تلك السياسة في تغذية الروح القبلية التي ما لبث أن ظهرت على السطح بسرعة عند قيام الاستقلال.

وقد أدت هذه الممارسات الاستعمارية إلى اضطرابات شديدة شهدتها البلاد خاصة في يناير 1959 في العاصمة الكونغولية ليوبوفيل، ما لبثت أن تحولت لمسيرة من 30 ألف شخص من العاطلين عن العمل لذا تدخلت السلطات البلجيكية للسيطرة على الوضع في العاصمة، فأطلقت نيرانها على الأبرياء العزل، فسقط الآلاف منهم في الميدان الفسيح للعاصمة.

وكانت تلك الأحداث الشرارة الأولى للثورة التي اندلعت في البلاد واستمرت لمدة ثلاثة أيام تمخض عنها السخط التلقائي إلى طلب جماعي بالاستقلال العاجل، وبذلك شعرت القوات الحكومية أنها غير قادرة على السيطرة على الوضع وأن حكمها في الكونغو قد تعرض للانهيار، وتطورت الأحداث إلى أن انتهت بإعلان استقلال الكونغو في 1960.



المصدر

دراسة «تاريخ الكونغو السياسي 1885 - 1960». الدكتورة أزهار محمد عيلان.

0
0
0
0
0
0
0