إبادة جماعية ومصادرة أراضي وتهجير قسري.. جرائم إيطاليا في ليبيا

في عام 1911 غزت إيطاليا الأراضي الليبية، وفي سبيل تمكين سطلتها على القبائل مارست صنوفا شتى من الانتهاكات والممارسات الوحشية، حتى تحقق لها ذلك في 1922.

الدكتور ارويعي محمد على قناوي رصد صورا من هذه الممارسات الاحتلالية والاستيطانية في دراسته «الشيخ عبدالحميد بن باديس وكفاح الشعب الليبي ضد الاحتلال الإيطالي 1911- 1939».

البداية بالاستيطان ومصادرة الأملاك 

منذ أن سيطر الطليان الفاشست على مقاليد الحكم في إيطاليا أواخر أكتوبر 1922، تطلعوا إلى تحقيق أهداف حزبهم في تحقيق عظمة الدولة الإيطالية، وارتبط ظهورهم بمواصلة الحرب في طرابلس الغرب وبرقة وفزان لاحتلالها بقوة السلاح.

وسعى الفاشست من وراء ذلك لأن يجعلوا من ليبيا موطنا مكملا لإيطاليا، ومنطقة لتوطين المزارعين الإيطاليين على حساب الليبيين وأراضيهم الزراعية الخصبة اقتداء فيما قامت به فرنسا في كل من الجزائر وتونس والمغرب.

هجرت السلطات الإيطالية عشرات الآلاف من ديارهم فهاموا على وجوههم في الصحراء الجزائرية والتونسية وجنوب الصحراء الكبرى، وهم يلاقون الأمرين نتيجة لانتشار الفقر والمجاعة وفقدان المأوى.

ولتحقيق تلك الأهداف اتبع الفاشست أساليب قمعية في الغدر بالزعامات، وإقامة المعتقلات الجماعية ومصادرة الأملاك، وتشجيع الإيطاليين على الاستقرار بطرابلس الغرب وبرقة ليجعلوا منها موطنا جديدا كما يدعون.

وفي عام 1929 عين بادوليو واليا عاماً على طرابلس وبرقة، فلجأ إلى استمالة عمر المختار قائد المقاومة الوطنية في برقة للمفاوضات، وألقى بيانا حدد فيه خطوط سياسته ودعا للسلم والعفو العام عن جميع الليبيين.

واتضح فيما بعد أن الغرض من تلك السياسة هو كسب الوقت لصالح الإيطاليين لكي يكملوا استعداداتهم العسكرية للقضاء على آخر جيوب المقاومة في طرابلس الغرب وفزان وبرقة الذين رفضوا كل المقترحات الإيطالية، وفضلوا مواصلة القتال على الخضوع والاستسلام للإيطاليين.

ولكن ردة فعل الطليان الفاشست كانت عنيفة تجاه المجاهدين والسكان المدنيين على حد سواء، فأعلن دي بوكسير وزير المستعمرات الإيطالية من روما قائلاً «إن المتمردين أرادوا الحديث عن السلام والحماية، ولكن الإيطاليين والفاشست لن يحموا المتمردين ولا الممتلكات.. إنهم يمكنهم فقط قبول الخضوع، وخلاف ذلك فليس هاك إلا البنادق والرشاشات، وإذا دعت الضرورة فالمشانق».

إبادة جماعية وتهجير 

وفي عام 1930 عُيّن غراتسياني نائباً للوالي بادولية، فقام بتجريد السكان من سلاحهم، ونصب المشانق، وأسس المحاكم الطائرة لمحاكمة كل من يشك في تعاونه مع المجاهدين، وأقام معسكرات الاعتقال والإبادة الجماعية لحشر السكان بها، وأحاط الأراضي الزراعية بأسلاك شائكة.

عقب استشهاد عمر المختار في 16 ديسمبر 1931، جاء يوسف أبو رحيل المسماوي قائداً عاماً للمجاهدين، واستمرت المقاومة لبضعة أشهر استطاعت إيطاليا بعدها القضاء على حركة المقاومة المسلحة نهائيا مع بداية 1932.

وشدد من حصاره على المجاهدين بمصادرة ممتلكاتهم ومواشيهم، وقصف نجوعهم، وردم آبار المياه مما أثر على حركة الرعي والزراعة الموسمية وسبب هلاك عدد كبير من المواشي.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، فأقام خطاً من الأسلاك الشائكة يمتد من منطقة البردية إلى واحة الجغبوب بمسافة ثلاثمائة كيلو متر، وذلك لمنع وصول الإمدادات من مصر إلى المجاهدين في برقة.

كما هجرت السلطات الإيطالية عشرات الآلاف من ديارهم فهاموا على وجوههم في الصحراء الجزائرية والتونسية وجنوب الصحراء الكبرى، وهم يلاقون الأمرين نتيجة لانتشار الفقر والمجاعة وفقدان المأوى.

وفي الوقت نفسه، توالت الهجرات الجماعية للأسر الليبية إلى الأقطار المجاورة خلال سنة 1931 خاصة الجزائر التي وصلها نحو 7 آلاف لاجئ طرابلسي وصفتهم صحيفة «الشهاب» الجزائرية  بـ«أنهم على حافة فقر وبؤس لا يمكن أن يستطيع قلم وصفها».

توطين الإيطاليين في ليبيا 

استشهاد القائد وتجنيد الليبيين

عقب استشهاد عمر المختار في 16 ديسمبر 1931، جاء يوسف أبو رحيل المسماوي قائداً عاماً للمجاهدين، واستمرت المقاومة لبضعة أشهر استطاعت إيطاليا بعدها القضاء على حركة المقاومة المسلحة نهائيا مع بداية 1932.

وما إن انتهت حركة المقاومة واستتب الأمن بقوة الحديد والنار في كافة ربوع القطر الطرابلسي، حتى شرعت السلطات الإيطالية في تنفيذ مخططاتها الاستعمارية الرامية لتوطين الإيطاليين في المزارع التي اغتصبتها من الليبيين.

كما افتتحت إيطاليا العديد من المدارس الليبية بإقليمي طرابلس وبرقة، واهتمت بشكل كبير بشريحة الفتيان الليبيين المعروفين بشبيبة  «الليتوريو الفاشستية» التي لا تعرف ولاءً للوطن الحقيقي بل للزعيم موسوليني وإمبراطوريته الرومانية التي حلم بها طيلة تلك السنوات.

وعلى هذا الأساس شرعت السلطات الإيطالية في تجنيد الشباب الليبيين لاستغلالهم في الحروب التي تخوضها إيطاليا في الحبشة وأسبانيا، وأغرتهم بالأموال والمناصب والرحلات المجانية إلى الأماكن المقدسة في الأراضي الحجازية.

ومع نهاية سنة 1935 وبداية سنة 1936 جندت إيطاليا حوالي تسعة آلاف مقاتل ليبي وأرسلتهم إلى ميناء مصوع بأريتريا، وبرافا في الصومال.

إعدام عمر المختار

موسوليني.. حامي الإسلام

وفي محاولة لتمويه الرأي العام العربي والدولي والتغطية على جرائمها أطلقت إيطاليا سراح بعض المعتقلين السياسيين، وسرّحت الآلاف من المعتقلين من الرجال والنساء والأطفال المحشورين في معسكرات الاعتقال الجماعية في سلوق والمقرون ووالبريقة والعقيلة.

وعندما شعرت إيطاليا بخطورة وضعها وموقفها الحرج أمام الرأي العربي والإسلامي والدولي أيضاً، أخذت تتقرب إلى الأقطار الإسلامية، وتفننت في وسائل الخداع والمراوغة، فنشرت دعايتها على صفحات جريدتي «العدل» و«الرقيب العتيد» الطرابلسيتين، فتصدت لها الصحف العربيية في المشرق والمغرب العربي، وقامت بحملة شعواء ضد إيطاليا وعملائها  في كافة الأقطار العربية.

وفي الفترة من 10 إلى 22 مارس 1937، قام موسوليني بزيارته الثانية إلى طرابلس وبرقة لافتتاح الطريق الساحلي الممتد من قرية مساعد شرقاً إلى قرية رأس أجدير غرباً، ولكي يظهر أيضاً للسكان الليبيين وللعالم الإسلامي بأن إيطاليا تسعى لتطوير الاقتصاد الليبي، وتعمل من أجل رفاهة السكان المحليين وأن بإمكان العالمين العربي والإسلامي الاعتماد على قوتها خاصة بعد أن أعلن موسوليني عن نفسه بأنه «حامي الإسلام».

بيد أن الهدف الحقيقي من تلك الزيارة كان الإعلان أمام الرأي العام الأوروبي بأن طرابلس وبرقة أصبحتا جزءاً أساسياً من الإمبراطورية الإيطالية، وخندقاً من خنادق المواجهة المحتملة في البحر المتوسط، مقابل المستعمرات الفرنسية في تونس والجزائر ومراكش، والمستعمرات الإنجليزية في مصر والمشرق العربي.

ورغم كل هذه الإجراءات التعسفية صمد الشعب الليبي في وجه الاحتلال الإيطالي، ودافع عن تراب بلده وحافظ على مقومات هويته الوطنية حتى أعلنت ليبيا استقلالها عام 1951.

المصدر

  • دراسة «الشيخ عبدالحميد بن باديس وكفاح الشعب الليبي ضد الاحتلال الإيطالي 1911- 1939».الدكتور ارويعي محمد على قناوي.

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية