من المولد النبوي لمولد الحسين والسيد البدوي ثم ميلاد المسيح ومولد العذراء ومارجرجس.. تعددت الأسماء واختلفت الديانات لكن الطقوس متشابهة.. حلوى توزع هناك وهناك، دور عبادة تمتلئ بالمريدين والكل يبتهل إلى الله بطريقته.. كأن خيطا رفيعا يربط كل هذه الموالد ببعضها.

الاحتفال بالحياة

لطالما كان المصريون مولعون بالحياة بكل مظاهرها.. تجدد حياة النباتات بعد مواسم الشتاء؛ بأن تخرج النبتة الرقيقة من الأرض القاسية، فتمنح للناس الطعام والأمان.. وتلك الحياة التي تنبعث في الطفل الصغير فتكتب للجنس البشري كله البقاء.

الاحتفال بالحياة أو بالميلاد «المولد» فلسفة قامت عليها حضارة المصريين ودياناتهم. وكانت أهم احتفالات المصريين في ذلك الزمن البعيد عيد الحصاد «شم النسيم» أو عيد أوزوريس وهو «إله البعث» ورمز الحياة بعد الموت عند المصريين.

الباحث في التراث المصري، مسعود شومان يقول: الاحتفال بالمولد هو في الأصل احتفال بالحياة، وفكرة الموالد نشأت في الأساس من احتفال المصري القديم  بفكرة الميلاد وتجدد الحياة. أقام المصري لكل مولود صغير احتفالا بغض النظر عن مكانته  الاجتماعية وهل هو غني أم فقير، هذه الطقوس التي نسميها اليوم بـ«السبوع».

ومن الاحتفاء بالمولود الصغير؛ انتقل المصري للاحتفال بمولد الشخصيات التي تمثل له أهمية كبيرة؛ كما يقول شومان. في البدء كانت هذه الشخصيات تتمثل في الآلهة الفرعونية القديمة؛ مثل احتفاله بأسطورة إيزيس وأوزوريس وميلاد الإله حورس؛ ثم انتقل المصري للاحتفال بمولد كل شخصية لها مكانة خاصة في نفسه مثل الأولياء في الإسلام أو القديسين في المسيحية.

طقوس المولد النبوي.. نحن نختلف عن الآخرين

أعياد الآلهة

كان لكل إقليم في مصر القديمة إله، وعلى تعدد الآلهة تعددت الاحتفالات. يقول أستاذ اللغة المصرية القديمة بكلية الآثار، ومستشار مكتبة الأسكندرية، الدكتور عبد الحليم نور الدين أن «السنة المصرية القديمة احتوت على العديد من الأعياد منها ما ارتبطت بالزراعة مثل أعياد الفيضان والحصاد، ومنها ما ارتبط بأعياد تتويج الملك، ومنها الأعياد الجنائزية التي ارتبطت بزيارة مقابر المتوى وتوزيع الطعام».

لكن الأعياد الأكثر أهمية عند المصري القديم، وفقا لنور الدين؛ كانت أعياد الآلهة، مثل عيد حورس وعيد أنوبيس وعيد حتحور وعيد سخميت». وجميعها آلهة مصرية قديمة.

مظاهر وطقوس كثيرة شهدتها احتفالات الآلهة لايزال المصري يحتفظ بها في احتفالاته الدينية بأشكالها المختلفة ومنها الموالد؛ غير أن هذه الاحتفالات الدينية احتفظت ببعض الطقوس المشتركة، وفقا لنور الدين.

فخلال هذه الأعياد كانت ترتل الأناشيد الدينية والصلوات وتزين المعابد وتقدم القرابين وتعزف الموسيقى التي تتمايل عليها الراقصات، وتقدم في المعبد أشهى الأطعمة من لحوم وطيور وخمر.

كانت هذه الاحتفالات تتم في مواكب حافلة، وأهم مظهر من المظاهر الاحتفالية هو «أن يتزين تمثال الإله بالحلي وأن يراه الشعب يخرج عليهم من المعبد ليسير في موكب خاص».

الربط بين القديم والجديد

عصور وأديان مختلفة تعاقبت على مصر منذ أن ودع المصري عهد الفراعنة، لكنه لم يودع أبدا عاداته وتقاليده التي سبقت جميع الأديان.

فقد كان المصري بارعا دائما في الربط بين القديم والجديد؛ كما يؤكد الباحث مسعود شومان لـ«شبابيك».. فحافظ على مظاهر الاحتفال الفرعونية مع تغيير بعض الطقوس لتناسب الدين الجديد الذي يعتنقه المصري، سواء أكان الدين الإسلامي أو المسيحي.

ومن تقديس الآلهة القديمة انتقل المصري للاحتفاء بكل شخصية دينية أثرت في وجدانه أو كانت لها كرامة دينية خاصة.

ومن الأناشيد الدينية الفرعونية تحول المصري في احتفالاته إلى الابتهالات والمدائح النبوية عند المسلمين والقداس والترانيم عند المسيحيين.

ومن الأطمعة التي تقدم للآلهة في المعابد، احتفل المصري في الموالد بتقديم الأطعمة للفقراء أو توزيع الحلوى.

يفسر «شومان» فكرة الاحتفالات أو الموالد بأنها أقدم من الدين نفسه؛ المصري بطبعه يحب البهجة والطقس الجماعي ومشاركة الآخرين تجربته الروحية؛ فكان المصري يمزج في هذه الطقوس بين العمل الدنيوي والعمل الأخروي».

يستدل شومان بمقولة للجنرال البريطاني مكارفسون الذي عاش في مصر وأحب موالدها في كتابه «الموالد في مصر»: «كان المصريون عندهم قناعة أن الدين والسعادة يسيران يدا بيد».

عبادة البهجة

وباختلاف هذه الأديان التي اعتنقها المصري على مر العصور، لكنه لم يستطع أن يغير شيئا واحدا وهو اقتناص البهجة وسط أحزانه الكثيرة؛ فإن كانت هذه الاحتفالات سواء القديمة أو الحديثة في ظاهرها احتفالات دينية لكن كان المصري الذي يكد ويتعب من أجل «لقمة العيش» تحين الفرص لكي يفرح.

فالموالد الشعبية أو «أفراح الفقراء» هي أكبر من أن تكون مناسبة دينية وحسب، كما يرى شومان؛ فالمصري المسلم كنا نجده متواجد بكثرة في الموالد المسيحية، مثل مولد السيدة العذراء ومولد مارجرجس، وكان المسيحي ينشد المدائح النبوية في المولد النبوي وأشهر هؤلاء هو المداح القبطي مكرم المنياوي.. هكذا كانت شخصية المصري، لم يكن يشغله التفرقة بين الرموز المسيحية والإسلامية، بقدر ما كان يشغله أن يتشارك فرحته مع من حوله.. تغيرت هذه القيم كثيرا اليوم كما يؤكد الباحث بالتراث الشعبي.

تعرف على أشهر مداحين النبي.. رجالا ونساء

كرنفال شعبي

عادات وتقاليد من آلاف السنين ستجدها مجتمعة في مولد واحد من موالد المصريين الشعبية.

لقد كان الجنرال البريطاني مكارفسون أحد هؤلاء الضباط البريطانيين الذين قدموا لمصر في أيام الاحتلال، لكنه فُتِن بموالد المصريين التي رأى فيها روحهم الحقيقية الممتدة من أيام الفراعنة، حتى وضع كتابه «الموالد في مصر» وكان كما يصفه النقاد متحيزا دائما لتاريخ المصريين القديم.

في المولد تجد تجمع لمعتقدات المصريين الدينية وعادتهم وتقاليدهم وتبادل للعلاقات الاقتصادية، كما تعقد به جلسات صلح ومجالس عرفية لحل المشاكل، وتقام فيه الابتهالات والمدائح ومنه خرج الكثير من الفنانون والمبدعون.

التاريخ القديم أيضا ستجده متجليا في هذه الموالد؛ فكان المصري القديم يقيم أغلب أعياده بعد موسم الحصاد، عندما تكون لديه الحبوب مثل القمح والذرة التي صنع منها الحلوى وهي فرصة للناس كي يشعروا بالفرح بعد الجهد.. هذا الطقس يظهر جليا في الحلوى المختلفة التي توزع في الموالد وفي المولد النبوي على الأخص.

أصل شم النسيم واشمعنى البيض الملون والفسيخ؟

ماذا فعل الفاطميون؟

كانت الموالد الشعبية أحد الوسائل التي استطاع بها الفاطميون التقرب للمصريين.

كان الفاطميون مثل غيرهم من الحكام الوافدين على مصر الذين أظهروا الاحترام لمقدسات الشعب المصري حتى يستطيعون التقرب إليه.

فمن الأسكندر الأكبر الذي قدم القرابين لإيزيس وأوزوريس، ومن نابليون بونابرت الذي حاول التقرب للمصريين بارتداء الملابس العربية والاحتفال معهم بالمولد النبوي.. فعل الفاطميون الشيء نفسه.

يقول الباحث في التراث مسعود شومان: «لم يبتدع الفاطميون فكرة الموالد كما هو الشائع؛ لأنها كانت موجودة من قبل الفاطميين ومن قبل الأديان نفسها. لكن الفاطميون حاولوا التقرب للشعب من خلال الاحتفاء بهذه الطقوس التي يقدسها المصريون».

أراد الفاطميون أن يربطوا الدين بالبهجة فزاد توزيع الحلوى في المولد النبوي مثلا، والتوسع في موائد الطعام في رمضان.

لقد عرف المصريون إحياء الموالد بالمدائح النبوية والابتهالات الدينية قبل قدوم الفاطميين مصر، فحتى الآن توجد كثير من المدائح النبوية نظمت على السلم الخماسي وهو سلم موسيقي فرعوني عرفه المصريون قبل قدوم الفاطميين.

وبحسب شومان: «كانت رؤية الهلال أيضا طقسا موجودا عند المصريين قبل الفاطميين، لكن الفاطميون أضافوا عليه مظاهر احتفالية مثل الخروج بالخيول والزينة والفوانيس. ولو لم تجد هذه المظاهر الاحتفالية جميعها هوى لدى المصريين لما تمسكوا بهذه الاحتفاليات حتى الآن ولرفضوها ولم تستمر حتى الآن».

رحلة إلى الذات.. روايات صوفية تغوص في روحك

1
2
0
0
0
0
0

شارك المقال