أنا شاب لكن عمري ألف عام

وحيد لكن بين ضلوعي زحام

خايف ولكن خوفي مني أنا

أخرس ولكن قلبي مليان كلام

عجبي

بهذه الكلمات اختصر «فيلسوف البسطاء» صلاح جاهين حياته كما يراها؛ شاب يمتلك روح طفولية مرحة، يهوى الحياة ويخشى إحباطاتها، أكسبته تجارب الدنيا القاسية خبرة حياتية جعلته يشعر كأن عمره ألف عام.

فماذا قدم «شاعر الثورة»- كما عرف عنه- للأدب والفن؟

أغاني ثورة يوليو

شكلت ثورة 23 يوليو التي اندلعت عام 1952 مصدر إلهام لجاهين، بسبب إيمانه التام بكل مبادئها، والقائمة على تحقيق العدالة بين جميع طبقات الشعب المصري؛ ما جعله يسطر العديد من الأغاني التي تترجم إيمانه ذلك، وتؤيد بدورها سياسة زعيمها الرئيس جمال عبد الناصر. وقام بتلحين جميع تلك الأغاني صديقه الملحن كمال الطويل، وغناها العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، ليشكلوا ثلاثي غنائي ثوري ساعد على تأييد طبقات الشعب المختلفة لـ«عبد الناصر»، وتخليدهم لشخصه.

وكانت أشهر تلك الأغاني: إحنا الشعب وبالأحضان وصورة والمسؤولية وناصر يا حرية ويا أهلا بالمعارك.

كما دفع إعجاب أم كلثوم بتلك التجربة إلى غنائها "والله زمان يا سلاحي" من كلمات "جاهين"، وألحان "الطويل"، إيمانا منها بثورة يوليو كذلك.

وكتب "جاهين" كذلك كلمات أغنية "بستان الاشتراكية"، والتي لحنها محمد الموجي، وغناها عبد الحليم حافظ.

وبجانب الأغاني الوطنية، كانت ثورة يوليو مصدر إلهام لأهم أعمال "جاهين" الرباعيات، والتي يعتبرها كثيرون أقوى ما أنتجه فنان معاصر.

الرباعيات

بدأ صلاح جاهين يكتب رباعياته عام 1959، وكانت تنشر أسبوعيا في مجلة صباح الخير حتى عام 1962، ليتوقف "جاهين" عن كتابتها بعد انتقاله للعمل في جريدة الأهرام، ثم يعود إلى كتابتها مجددا بعد أن يصبح رئيس تحرير مجلة "صباح الخير" عام 1966؛ تلك الرباعيات التي حصل بفضلها على لقب "فيلسوف البسطاء"، لما تحتويه على فلسفة وجودية كانت مثل "كتالوج الإرشادات" المكتوب بلغة عامية سهلة ليساعد الإنسان البسيط على التعامل مع همومه المختلفة في الحياة ويكون دليليه للتكيف بداخل المتجمع الذي يعيش بداخله.؛ ما ساعد على انتشارها بقوة بين أبناء الطبقة البسيطة من الشعب.

وأكدت فلسفة جاهين التي تجلت في رباعياته وجهات نظره في الحياة بصفة عامة، فهو يرى أن الإنسان مسير وليس مخيرا، وهو ما ظهر في عدة مقاطع منها:

مرغم عليك يا صبح.. مغصوب يا ليل

لا دخلتها برجليا ولا كان ليا فيها ميل

شايلني شيل دخلت أنا في الحياة 

وبكره هاخرج منها شايلني شيل

عجبي

كما أنه يهوى الحياة ويغتنم الفرص من أجل الاستمتاع بها قدر الإمكان، وهو ما ظهر في مقطع:

انشد يا قلبي غنوتك للجمال

وارقص في صدري من اليمين للشمال

ماهواش بعيد تفضل لبكره سعيد

ده كل يوم فيه ألف ألف احتمال

عجبي

بجانب مقطع:

أنا اللي بالأمر المحال اغتوى

شفت القمر نطيت لفوق في الهوا

طلته ماطلتوش إيه أنا يهمني وليه

مادام بالنشوى قلبي ارتوى

عجبي

بالإضافة إلى إيمانه بالحب الذي يمثل السعادة والطمأنينة والراحة للمحبين، ليكون بمثابة طوق النجاة الذي يساعد على تحمل هموم الحياة، وظهر ذلك في مقطع:

بحر الحياة مليان بغرقى الحياة

صرخت.. خش الموج في حلقي ملاه

قارب نجاة صرخت قالوا مفيش

غير بس هو الحب بس هو الحب قارب نجاة

أما عن الأسلوب الذي تميزت بها تلك الرباعيات، فهو ما عرف بـ"السهل الممتنع" الذي يظهر في لغة بسيطة تحتوي على حكم بلاغية شديدة الإتقان.

وكما تعاون "شاعر الثورة" مع العندليب والطويل، ومع الطويل لاحقا لتكوين تجارب فنية مختلفة مثل أغاني فيلم خلي بالك من زوزو ومسلسل حكايات هو وهي وأغاني "الدنيا ربيع" و"بمبي" و"مفترق الطرق" و"بانو بانو" و"شيكا بيكا" و"حبيبي انت يا فيلسوف"، تعاون مع علي الحجار والملحن سيد مكاوي لتقديم الرباعيات، كما شكل مع الأخير كذلك دويتو فني أثمر عن أغاني "ليلة امبارح ماجاليش نوم" و"أنا هنا يابن الحلال" و"الدرس انتهى" واسكتش "يا سنيوريتا" وأغاني فيلم الزوجة الثانية، والأوبريت الأشهر في مسرح العرائس "الليلة الكبيرة".

رسوم كاريكاتير

واظب "فيلسوف البسطاء" على نشر رسوم كاريكاتير بداخل جريدة الأهرام بشكل ثابت منذ أن أن انتقل للعمل بداخلها، وتميزت رسومه بخفة ظل ممتعة، واشتهرت شخصياتها التي حرصت طبقات الشعب المختلفة على متابعتها دائما، وبينها "الفهامة" و"قيس وليلى" و"قهوة النشاط" و"درش".

 

دواوين شعرية

كما ألف شاعر الثورة حوالي 161 قصيدة شعر، منها "على اسم مصر" و"تراب الدخان" و"الشوارع حواديت" وقصيدة "الدرس انتهى" التي جسدت معاناة مأساة حادث مدرسة بحر البقر عقب شن القوات الجوية الإسرائيلية الهجوم عليها عام 1970، وغنتها الفنانة شادية.

الاستعراضات الغنائية

ترك "جاهين" بصمة مميزة في الأفلام الموسيقية المصرية، جعلته يصبح بمثابة ملك الاستعراضات الغنائية الراقصة بداخل الأفلام السينمائية، فبالرغم من ندرة تجربة الأفلام الموسيقية في السينما المصرية، إلا أنه شارك في أغلبها. وكانت أكثر تلك التجارب ثراء بداخل فيلم غرام في الكرنك من إنتاج عام 1967، حيث شارك في كتابة الأغاني التي ظهرت بالفيلم مع مأمون والشناوي فتحي قورة، بينما لحنها علي إسماعيل.

وبسبب اهتمام المخرج يوسف شاهين بالأغاني والاستعراضات الراقصة بداخل أفلامه السينمائية، اعتبر "جاهين" عنصرا أساسيا بداخل تلك الأفلام، فكتب الأخير كلمات أغاني "الشارع لنا" و"مفترق الطرق" بفيلم عودة الابن الضال من إنتاج عام 1976، و"حدوتة حتتنا" و"الطوفان" بفيلم اليوم السادس من إنتاج عام 1986.

ذلك بجانب أغاني "بانو بانو" من فيلم "شفيقة ومتولي" الذي عرض عام 1978، و"شيكا بيكا" و"حبيبي انت يا فيلسوف" من فيلم المتوحشة الذي عرض عام 1979، و"يا واد يا تقيل" و"خلي بالك من زوزو" و"إحنا الطلبة" من فيلم "خلي بالك من زوزو" الذي عرض عام 1972، وأغاني "الدنيا ربيع" و"بمبي" من فيلم أميرة حبي أنا الذي عرض عام 1974.

كما كتب"جاهين" كذلك كلمات مجموعة من الأغاني التي ظهرت بالأفلام السينمائية، مثل "أنا هنا يا ابن الحلال"، والتي لحنها، وغنتها الشحرورة صباح في فيلم العتبة الخضراء من إنتاج عام 1959، واسكتش "يا سنيوريتا" الذي لحنه سيد مكاوي وغناه أمين الهنيدي في فيلم 7 أيام في الجنة من إنتاج عام 1968، وأغنية "محتار أنا ويا البنات" التي غناها سمير صبري في فيلم حب وكبرياء من إنتاج عام 1972، وأغاني فيلم اثنين على الهوا من إنتاج عام 1984، وهما استعراض التورتة وأغنية يا عصفورة العصافير التي قدمتهما الفنانة نيللي.

بالإضافة إلى أغاني مسلسل حكايات هو وهي الذي كتب له السيناريو والحوار، ليعرضه التليفزيون المصري عام 1985، وكان أشهرها "هو وهي" و"ماتجيبلي شكلاتة" و"البنات" و"جرس الفسحة" و"جلابية بارتي" و"بابا زمانه جاي" و"الهند أم العجايب".

وكتب "جاهين" كذلك كلمات أغاني واستعراضات فوازير عروستي" و"الخاطبة" التي ألفها، وقامت ببطولتهم الفنانة المحبوبة نيللي، وعرضت في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينات من القرن العشرين.

ولم ينسَ "جاهين" الأطفال ضمن الاستعراضات الغنائية التي ألفها، فكتب كلمات أوبريت "الليلة الكبيرة"، والذي وصف المولد الشعبي بطريقة ممتعة وجذابة من خلال شخصيات متعددة مثل الأراجوز والراقصة ومدرب الأسود وبائع الحمص والمعلم والعمدة والقهوجي، وهو يعد أشهر ما قدم مسرح العرائس في مصر، وعرضه التليفزيون عام 1961.

ذلك بجانب أوبريت اللعبة، الذي قدمته الفنانة نيللي في فيديو كليب عرضه التليفزيون عام 1985.

وألف "جاهين" أوبريت "صباح الخير يا مولاتي" الذي غنته السندريلا سعاد حسني في فيديو كليب عرضه التليفزيون المصري عام 1986.

مؤلفات سينمائية وتليفزيونية وإذاعية ومسرحية

وللسينما، ألف "جاهين" أفلام "خلي بالك من زوزو" الذي يعتبر أحد أنجح أفلام السينما المصرية جماهيريا، وشارك في كتابة قصة وسيناريو وحوار فيلم "أميرة حبي أنا" مع حسن الإمام وممدوح الليثي، وشارك كذلك مع يوسف شاهين وفاروق بلوفة في كتابة قصة وسيناريو وحوار فيلم عودة الابن الضال الذي أنتج عام 1976، وكتب السيناريو والحوار لفيلم "شيلني وأشيلك" الذي عرض عام 1977، بينما شارك فيصل ندا في كتابة السيناريو الخاص بالفيلم معه.

كما كتب "جاهين" السيناريو والحوار لفيلم "شفيقة ومتولي" الذي عرض عام 1978، وشارك وإبراهيم الموجي في تأليف فيلم المتوحشة، وشارك وحسين الوكيل في تأليف فيلم اللعنة الذي عرض عام 1984.

أما في التليفزيون، فبجانب فوازير "عروستي" و"الخاطبة"، وأوبريتات "اللعبة" و"صباح الخير يا مولاتي"، كتب "جاهين" فوازير "لغز الملكة شهرزاد" التي قام ببطولتها الفنان عبد المنعم مدبولي، بجانب السيناريو والحوار لمسلسل "حكايات هو وهي".

وبالنسبة للإذاعة، فألف "جاهين" مسلسل قيراط حورية، وللمسرح، كتب فيلسوف البسطاء مسرحية "حب وفركشة" التي عرضت عام 1974، ومسرحية "انقلاب" التي عرضت عام 1988، بجانب أوبريت اللية الكبيرة.

تعليق صوتي

وأضاف "فيلسوف البسطاء" الكثير إلى فيلم الزوجة الثانية الذي عرض عام 1967، حين قام بأداء التعليق الصوتي على تتر بدايته، وهو الفيلم الذي اعتبره الكثير من الجمهور والنقاد بمثابة الملحمة الشعبية التي ضمنت بداخل التراث الأدبي، وليس الفني فقط. كما أنه كتب كلمات الأغاني التي ظهرت بالفيلم، ومنها أغنية "الأراجوز".

صلاح جاهين شاعر ورسام كاريكاتير وسيناريست مصري يساري الفكر لقب بـ"فيلسوف البسطاء" و"شاعر الثورة"، وهو من مواليد حي شبرا يوم 25 ديسمبر عام 1930، وتوفى في 21 أبريل من العام 1986.

0
0
0
0
0
0
0

شارك المقال