كتبت- إسراء نعيم:

«المُنْقِذ» هكذا أوهمت نهى صبري (اسم مستعار) نفسها في محاولة لاستكمال علاقتها مع حبيبها؛ دورٌ لعبته وهي تصدق أنها بذلك فتاة جيدة ولطيفة لكنها لم تحسب أبدًا أن هذا الدور قد يكون في باطنه إشارة قوية لعلاقة مشوهة وغير سوية.

بعد علاقة استمرت 8 سنوات استطاعت أخيرًا أن تكتشف أن نصائح صديقاتها المقربات صحيحة وأن علاقتهما مَرَضِية وكان يجب أن تنسحب منها على الفور لكنها أدركت ذلك بعد فوات الأوان.

ظهر الغريب خلال «قعدة صحاب» وكانت «نهى» تبلغ من العمر 29 عامًا، وانضمت لأصدقائها في لقاء مألوف، إلا أن همهمات البعض وأحاديث النميمة ذكرتها به على الفور عقب مشاركته لجلستهم، وتعرفت عليه في وقت قصير وكان حديثه وثرثرته سببًا كافيًا لنمو علاقتهما.

«ده بتاع بنات، شوفتي البنت الجديدة اللي كانت ماشية معاه، تفتكري الطلعة الجاية هتبقى على مين»، قالت إحدى صديقات «نهى» في أحاديثهن عن حبيبها.

لكن «نهى» لم تستمع لما يرددنه عن حبيبها، ولم تخرج ردودها عن «لا يمكن، أكيد بيكذبوا، ده رغي بنات عادي»، لتفاجأ بعد 3 سنوات من علاقتهما بإرتباطه بأخرى، والجميع يتحدثون عن علاقته الجديدة، وفتاته الجديدة، وحياته الجديدة، وكانت هي تجلس وحيدة تحاول أن تفهم لماذا يفعل بها ذلك.

«الخناقات» ليست دليلا على صحة العلاقة

C:\Users\Boody_lap top\Desktop\موقع شبابيك\صور موضوع انسحب قبل ما تنطفي\1.jpg

مرت النزوة، باعتذار حبيب «نهى» وبـ«خناقة» أعادت المياه لمجاريها، إلا أن الكذب والتهرب والكلام المعسول كان أفضل ما يجيده الحبيب، فتَهَرَب من ارتباطهما الرسمي بحجج عديدة فمرة لا يستطيع الالتزام الآن، ولا يمكنه تحمل المسئولية في الوقت الحالي، ومرات عديدة يبرر موقفه بحجة أنه لن يقوى على مصاريف الزواج أو التجهيز له «لسه بدري عشان يكون فيه حاجة رسمي».

استمرت «نهى» في علاقتها بحبيبها رغم علمها بعلاقاته النسائية المتعددة، ورغم كذبه المتكرر، وأحيانًا كانت تحاول إنكار ذلك، وفي أحيان أخرى كانت تحاول تجاهل ما تراه بعينيها كانت تخشى «النكد» وضياع لحظاتهما السعيدة، كانت تخشى فقدانه، وكانت توهم نفسها أحيانًا أن «خناقتهما» المتكررة دليل على حقيقة علاقتها.

الحبيب تزوج وأنجب أيضَا، وكانت تلك هي الصدمة الأقوى لـ«نهى»، فدخلت في دائرة الاكتئاب لأيام ثم قررت مواجهته، أنكر الحبيب في بادئ الأمر، ثم تراجع واعترف وبرر ما فعله بأنه خشي إن علمت أن تتركه، وأنه لا يستطيع الابتعاد عنها «عارف إني طلّعت عقدي عليكي، بس أنا رغم كل ده مقدرش أبعد عنك، يمكن اتجوزت عشان صعب ارتبط بحد بيحبني وفاهمني! أنا مقدرش أعيش من غيرك».

لا تؤذي نفسك

C:\Users\Boody_lap top\Desktop\موقع شبابيك\صور موضوع انسحب قبل ما تنطفي\2.pngأصدقاء «نهى» حاولوا مرارًا وتكرارًا إبعادها عن هذه العلاقة، إلا أن ضعفها لم يسمح لها باتخاذ موقف جاد تجاه حبيبها «كنت ساعات بحاول أهرب من علاقتي بيه، بس مكنتش بقدر، لسه بحبه، صحيح مقابلتنا ومكالمتنا قلّت بس مش قادرة أنساه، ومش قادرة أواجه نفسي باللي بيحصل».

تقول إن: «اللي حصل غريب وأنا نفسي مش قادرة أصدقه، لو الزمن رجع بيا لورا كنت ههرب منه وأنا لسة فيا طاقة، مكنتش هحاول اتعرف عليه، كنت همشي ورا حدسي ومكنتش هصدق أي ذرة أمل كذاب إني اللي خان الثقة مرة ممكن يتعدل، حاسة إني اتأذيت أوي، وإني كنت سبب كبير في أذية نفسي بضعفي، اكتشفت إني انطفيت أوي، وإن أغلب علاقاتي بأصدقائي مبقتش موجودة، وإني فجأة حياتي مبقاش فيها غيره».

في لحظات الصفاء، كانت «نهى» تسأل حبيبها عن ماهية علاقتهما، كان يتهرب كعادته ويغرقها بكلامه المعسول وكيف أنه لا يقوى على الابتعاد عنها، ويقول «هو احنا لازم نسمي الحاجات»، ورغم ذلك لم تقوى «نهى» على اتخاذ موقف جاد تجاه نفسها أولا ثم تجاه حبيبها، ورغم ذلك كان يدعمها في حياتها الدراسية والمهنية، وكانت جزءا هاما في قرارته العملية.

كانت «نهى» شيئا متاحًا على مدار الـ24 ساعة، وكان مجرد تفكيرها في الابتعاد عنه يجعله يتوسل لها وينهار أمامها بأنه لا يستطيع إكمال حياته بدونها.

الضحية والمُنْقِذ

C:\Users\Boody_lap top\Desktop\موقع شبابيك\صور موضوع انسحب قبل ما تنطفي\6.jpgأستاذ الطب النفسي بجامعة المنيا الدكتور محمد طه، يرى أن مجرد شعور أي طرف في العلاقة بالانطفاء هو سبب يكفيه لاتخاذ قرار حاسم بعدم الاستمرار، فجميعنا يدخل في علاقات حب وزواج ليشعر بالسعادة والرضا في حياته وكي يكتشف جوانب جيدة في نفسه ويحب نفسه وغيره بطريقة صحية، ولم يكن الارتباط أبدًا كي يتعذب الإنسان ويعاني وينطفئ.

وعن قبول أي من طرفي العلاقة للأذية النفسية واستمراره رغم تلاعب أحدهما بمشاعر وعواطف الآخر وإشعاره بالذنب وبمسئوليته عن انهياره وتوسلاته لعدم مغادرته، قال «حينها يكون الطرف الآخر مريضا نفسيًا ويستهلك طاقة الشخص الذي يرتبط به، فهو يلعب دور الضحية ويخرج من داخل حبيبه دور المنقذ المستنزف للطاقة والذي لا ينتهي -المنقذ يرغب طوال الوقت بشكل واع أو غير واع في أن يعتمد الطرف الآخر عليه ولا يستغني عنه أبداً- وهذه إحدى أنواع العلاقات المستنزفة للطاقة والحل لا يكمن إلا في قطع العلاقة نهائيًا، وأحيانا بالتواصل مع طبيب نفسي».

إدمان العلاقة المسيئة

C:\Users\Boody_lap top\Desktop\موقع شبابيك\صور موضوع انسحب قبل ما تنطفي\3.jpgأن تدمن علاقتك مع الشريك ولا تستطيع أو لا تريد الخروج منها رغم ما تتعرض له من أذية نفسية، فهذا ما يمسى بـ«إدمان العلاقات» أو «العلاقات الإدمانية»، حينها يدمن أحد طرفي العلاقة دور الضحية ورغم شكواه إلا أنه يستعذب العاقة ويحن إليها بل ويبحث عنها بشكل غير واع، وهذا النمط من العلاقات سام يُشبهه «طه» بـ«الغرغرينا» ولا حل لها سوى «البتر» مهما ترتب على العلاقة من فقد أو ألم أو خسارة فهو أفضل كثيرًا من استمرارها.

علاج إدمان العلاقات المسيئة هو «الألم» ولا يُقصد بها المعاناة، بل ألم فقد العلاقة والشخص المؤذي، فالألم يجعل صاحبه أكثر نضوجًا، وسيتحمله بعض الوقت مع قليل من الشجاعة والمسئولية، فالأرواح تتجدد والنفوس تنبت ولا يوجد مهرب من الألم.

احتياجات غير مشبعة

C:\Users\Boody_lap top\Desktop\موقع شبابيك\صور موضوع انسحب قبل ما تنطفي\5.jpgالاحتياج للحب والقبول والاهتمام، جميعها احتياجات إنسانية طبيعية وجميعنا قد لا يتلقها بشكل سوي خلال طفولته، وهو الأمر الذي قد يضطر البعض لإشباعها عبر دفع ثمن باهظ من نفسه وكرامته وماله، وأحيانًا من جسده فقط مقابل نظرة اهتمام أو كلمة حب، وعلاج الدخول في أي علاقة من هذا النوع لا يكون إلا بتحمل ألم الاحتياج المؤقت والابتعاد فورًا.

بعض الأطباء ينظم جلسات علاج نفسي جماعي لمثل هذه الحالات لمدى خطورتها، ويستطيع فيها الفرد أن يعبر عن نفسه واحتياجاته وكيفية التعامل معها بشكل صحي وسليم.

كيف تُميز الاستنزاف العاطفي؟

توجد عدة معايير أكد عليها أطباء علم النفس لمعرفة مدى الاستنزاف العاطفي بأي علاقة، فلا وجود لما يسمى بـ«النصف الآخر» ولا يمكن لأحد أن يستكمل نقصك أو الجزء المفقود من نفسك، كذلك إن كان شريك حياتك في حاجة لدعم عاطفي مفرط، أو الارتباط بشريك غير صريح تتوقع رغباته واحتياجاته، بالإضافة إلى إجبارك على تبرير أخطاء الماضي وتذكيرك بها دومًا وعدم تقبلها، أو عدم التسامح وغياب الثقة، والاستغلال المادي والمعنوي، والاهتمام من جانب طرف واحد فقط، كلها أساليب يجب معها إنهاء العلاقة قبل أن تفقد روحك.




7
6
1
-1
1
2
2