كتب- محمد أحمد:

هل كان طه حسين صهيونيا؟ كان هذا بين الاتهامات التي وجُهت لعميد الأدب العربي على خلفية ثلاث وقائع دفعت عدداً من المفكرين لاتهامه بمحاباة الصهيونية وعدم نصرته للقضية الفلسطينية.

في كتابه «طه حسين والصهيونية» استعرض الدكتور حلمي النمنم الاتهامات التي وجهت للعميد وقام بتفنيدها.

رسالة دكتوراة

تتعلق الواقعة الأولى بإشراف طه حسين على رسالة دكتوراة بجامعة القاهرة تقدم بها باحث يهودي يدعى إسرائيل ولفنسون عن اليهود في جزيرة العرب خلال الجاهلية وصدر الإسلام، ونوقشت الرسالة في صيف سنة 1927. إشراف عميد الأدب العربي على هذه الرسالة دفع كُتاباً كثيرين لاتهامه بمحاباة الصهيونية بل وهوسه بأن يضيف على اليهود ماليس لهم.

يجب أن يحسب لطه حسين وفق ما يقول «النمنم»  الإشراف العلمي على رسالة «ولفسون»، فقد التزم صاحبها الروح العلمية، لم ينجرف وراء هوى أو ميل خاص يطغى على الجانب المنهجي والبحثي

يذكر الكتاب، أن خصوم طه حسين يجهلون أن هذه الرسالة فور إنجازها قامت لجنة التأليف والترجمة والنشر بنشرها في كتاب سنة 1927، وهذه اللجنة كان يقوم عليها كوكبة من كبار الكتاب والباحثين يتقدمهم العلامة أحمد أمين، ولو أن الرسالة بها ضعف أو عوار علمي لما نشرتها اللجنة، ولو أن الرسالة بها زيف أو تجاوز للحقيقة فيما يتعلق بدور اليهود لما سكت عنها المجتمع العلمي والثقافي المصري والعربي.

ووفقاً لـ«النمنم» حاول الباحث في رسالته الالتزام بالروح العلمية خاصة عندما يتحدث عن الصراع بين اليهود والمسلمين في زمن الرسول (ص)، حيث يعتمد بشكل كبير على المصادر الإسلامية وفي مقدمتها القرآن الكريم والسيرة النبوية لابن هشام وغيرها.

وفي تقييمه النهائي يرى «ولفسون» أن الإسلام كان فاتحة خير لليهود، رغم الصراع الذي وقع في يثرب خلال بداية الإسلام قائلاً «إن الخسارة القليلة التي لحقت بيهود بلاد الحجاز ضئيلة بالقياس إلى الفائدة التي اكتسبها العنصر اليهودي من ظهور الإسلام، فقد أنقذ الفاتحون المسلمون آلافاً من اليهود كانوا منتشرين في أقاليم الدولة الرومية، وكانوا يقاسون ألواناً من العذاب»، حسبما ذكر «النمنم».ويؤكد حلمي النمنم أن الباحث اليهودي شدد على أن استعانة اليهود بالمسلمين في الأقاليم الإسلامية كانت سبباً في نهضة فكرية عظيمة عند اليهود بقيت آثارها في تاريخ الآداب العربية والعبرية زمناً طويلاً.

وجاءت الدفوع عن عميد الأدب العربي متضمنة أيضا: «ويُحسب لطه حسين الإشراف العلمي على الرسالة، فقد التزم صاحبها الروح العلمية، ولم ينجرف وراء هوى أو ميل خاص يطغى على الجانب المنهجي والبحثي، لكن هناك من ينتقد ويتشكك دون قراءة، ويبدو أن اسم الباحث – إسرائيل – هو ما أغراهم بالهجوم والتشكيك، بل الاتهام القاطع».

الطائفة الإسرائيلية

الواقعة الثانية تتمثل في أن عميد الأدب العربي دُعي لإلقاء محاضرة في مدرسة الطائفة الإسرائيلية «اليهودية» بشارع النبي دانيال بالإسكندرية في 24 ديسمبر سنة 1943 تحدث فيها عن اليهود والأدب العربي.

كان لليهود تواجدا في الدولة الإسلامية وفي المجتمعات العربية، وحدثت لحظات لقاء مهمة بين المسلمين والعرب من جانب واليهود من جانب آخر

ووفق كتاب «طه حسين والصهيونية» فقد أثارت المحاضرة لغطاً لدى «من لا يميزون بين اليهود عموماً وقادة دولة إسرائيل تحديداً، ومن يريدون تقييم التاريخ العربي كله بمنظار الصراع العربي- الإسرائيلي، وهذا خطأ علمي فادح يرتكبه هؤلاء»، فقد كان لليهود تواجدا في الدولة الإسلامية وفي المجتمعات العربية، وحدثت لحظات لقاء مهمة بين المسلمين والعرب من جانب واليهود من جانب آخر، خاصة في بلاد الأندلس، واستعرض طه حسين كل ذلك في محاضراته.

ويشير «النمنم» إلى أن من يتعرضون للمحاضرة أغفلوا الجو العام لها، فقد حضرها وكيل محافظة الإسكندرية، وعمداء الكليات بجامعة فاروق –الإسكندرية حالياً – وأساتذة الجامعة وطلابها، وكان مقرراً أن يحضرها الأمير عمر طوسون، ولكنه أرسل «كلمة اعتذار رقيقة» حيث لم يتمكن من الحضور بسبب «انحراف صحته». وهكذا لم تكن المحاضرة في محفل يهودي بالمعنى الضيق للكلمة، لكنها كانت في تجمع ثقافي أدبي مصري على أرض الإسكندرية، إذ حضرها طائفة كبيرة من أهل الأدب والثقافة بالمدينة.

ولعل ما أثار المتزمتين ضد طه حسين وضد المحاضرة – والكلام لـ«النمنم»- هو حديثه عن دور أو فضل اليهود على الأدب والثقافة العربية، فقد أشار إلى أن اليهود شاركوا في نقل التراث اليوناني إلى اللغة العربية، والواقعة صحيحة، ولم يكن اليهود وحدهم فقد كان هناك المسيحيون أيضاً، ومن يعرف تاريخ الترجمة إلى العربية في القرون الهجرية الأولى يدرك ذلك، أما ما تميز فيه اليهود ولعبوا فيه دوراً بارزاً فهو نقل التراث العربي فيما بعد إلى أوروبا، وتحديداً اللغة اللاتينية، فعلى سبيل المثال تُرجمت بعض أعمال ابن رشد خاصة شروحه لأرسطو إلى اللغة العبرية، ومنها انتقل إلى اللاتينية وعرفته أوروبا.

ويشير الكاتب في دفاعه عن طه حسين، أن ذلك لا ينتقص من قدر الثقافة العربية ولا يقلل من شأنها، فالاعتراف بالفضل لذويه فضيلة أخلاقية وقيمة علمية، «والذين اتهموا طه حسين بشبهة الصهيونية في تلك المحاضرة يجهلون الكثير من الحقائق، فدارسو المخطوطات العربية يعرفون جيداً أن هناك بعضها فقد أصله العربي ولم يبق منه سوى الترجمة العبرية، وبفضل هذه الترجمات التي قام بها باحثون يهود في ذلك العصر نتعرف على الدور والجهد العربي».

الكاتب المصري

في عام 1945 صدرت مجلة «الكاتب المصري». ووفق ما ذكره الدكتور رشاد رمضان عبد السلام في كتابه «يهود مصر.. 1922- 1956» فقد فاجأت الصهيونية الرأي العام المصري في هذا الوقت وعبر هذه المجلة بأسلوب دعائي جديد يتمثل في إصدار صحيفة مصرية ذات طابع ثقافي ضمت نخبة من المثقفين المصريين بتمويل يهودي، وامتلك هذه المجلة عائلة هراري وعائلة شيكوريل وهي عائلات يهودية شهيرة، وتخصصت هذه المجلة في نشر الدراسات الأدبية والنقدية، وضمت طائفة من الكتاب الأوروبيين والأمريكيين إلى جانب الكتاب المصريين، وكان يرأس تحريرها طه حسين، ومن كتابها المصريين: توفيق الحكيم، ولويس عوض، وسهير القلماوي، وحسين فوزي، ونجيب الهلالي، ويحيى حقي، وفؤاد صروف وغيرهم.

ويذكر «رشاد» أن المجلة تعرضت لحملة عنيفة من جانب بعض الصحف مثل «مصر الفتاة» وغيرها متهمة إياها بالخضوع للصهيونيين، وأن الهدف من إصدارها هو العمل على استقطاب المثقفين المصريين لصالح الحركة الصهيونية وشراء صمتهم إزاء الصراع العربي- الصهيوني في فلسطين.

وكما يذكر «رشاد» فقد ثبت بالفعل تجاهل المجلة بشكل متعمد للقضية الفلسطينية، قائلاً «عندما نحاول تفسير المبررات التي دفعت تلك النخبة البارزة من المثقفين المصريين للكتابة في المجلة سنجد أن معظم الذين شاركوا فيها كانوا ينتمون إلى التيار القومي المصري، والواقع أن هذا التيار كان يضم المحموعة الفكرية التي أعلنت تبنيها للنظرة المتوسطية، الذي ذهبت إلى أن مصر كانت تمثل باستمرار جزءاً من حضارة البحر المتوسط التي شملت أوروبا والشرق الأدنى، وقد قُيّض لهذا الرأي الذي نادى به قبل الحرب العالمية الأولى لطفي السيد وقاسم أمين أن يجد في طه حسين أقوى معبر عنه».

ويوضح «رشاد» أن الهجوم على المجلة وعلى طه حسين جاء بعد أن نشر مقالاً بالمجلة يصف فيه رحلة بالباخرة قام بها من القاهرة إلى بيروت، وفي هذه الرحلة وُجد مع طه حسين نحو ألف من اليهود المهاجرين إلى فلسطين، وكتب يصف حالة البؤس والشقاء التي كانوا عليها وأظهر نحوهم نوعاً من التعاطف الإنساني.

«رشاد» أرجع ابتعاد المجلة عن الخوض في المشكلة الفلسطينية، أو تعرضها لقضية الصهيونية وكونها فقط مجلة تختص بالأدب ونشره، إلى تفسيرين، أولهما أن أصحاب المجلة من مشاهير اليهود في مصر وهذا الأمر يمكن تفسيره بأنه توظيف للمال، وثانيهما أن هؤلاء اليهود كانوا يفكرون في الاقتراب من مثقفي مصروإيجاد جسور للتفاهم معهم، أو على الأقل جعلهم يقفون على الحياد بشأن القضية الفلسطينية.

واستمرت «الكاتب المصري» في الصدور حتى نهاية يونيو 1948 (بعد إعلان دولة إسرائيل بشهر ونصف)، ثم توقفت بناء على طلب من أصحابها بعد أن صدر منها 32 عدداً كان آخرها عدد مايو 1948.

كتاب طه حسين والصهيونية، فنّد هذه الاتهام موضحاً أن طه حسين كان هو المستهدف من الهجوم على «الكاتب المصري»، «فالذين هاجموه تناسوا كتاباته من قبل، خاصة فيما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية، وحتى عندما صدرت المجلة فإنهم لم يتابعوها جيداً أو لم يدققوا في القراءة، حيث اتخذت من الكاتب المصري القديم شعاراً واسماً لها»، وأعلنت في العدد الأول منها أنها ستكون «صلة ثقافية بين الشعوب العربية أولاً، وبين هذه الشعوب وأمم الغرب ثانياً، وأنها لن تؤثر بعنايتها فريقاً من أدباء العرب دون فريق».

مجلة أكتوبر أجرت حواراً مع طه حسين وواجهته بالاتهام الموجه إليه من أنه يساعد الصهيونية من خلال «الكاتب المصري»

وبحسب «النمنم» لم يلتفت خصوم طه حسين إلى شيء من هذا وراحوا يحاسبونها كمجلة سياسية تقدم الموقف السياسي وتتخذ موقفاً بعينه وبأسلوب لا يتناسب معها، بل قرروه هم وأرادوا أن يفرضوه على المجلة ورئيس تحريرها، وتم استرداج عدد من الكتاب والنقاد إلى هذا الموقف.

وليس صحيحاً أن «الكاتب المصري» تجاهلت فلسطين، وأنها لم تنشر عنها أي شيء، فالمجلة – كما يوضح الكتاب- اهتمت بالقضايا الثقافية عموماً وكذلك القضايا القومية والوطنية من منطلق ثقافي، وبهذا المعنى تم تناول فلسطين وقضيتها مرات عديدة، ففي العدد الرابع – يناير 1946 – نشرت المجلة دراسة للدكتور سليمان حزين حول «الجامعة العربية ومقوماتها الجغرافية والتاريخية» جاء فيها عدة فقرات حول فلسطين.

وفي عدد إبريل 1946 نشر الدكتور محمد عوض الجزء الثاني من دراسته حول «الانتداب والوصاية والاستعمار»، وتوقف فيها عند فلسطين وما يجري فيها.

وكانت مجلة أكتوبر أجرت حواراً مع طه حسين وواجهته بالاتهام الموجه إليه من أنه يساعد الصهيونية من خلال «الكاتب المصري» فجاء رده «ليت الذين يذيعون مثل هذا الكلام أن يبلوا في خدمة العروبة مثلما أبليت، وليس أدل على أنني أساعد الصهيونية من أني أحيي الأدب العربي القديم فأنشر ديوان أبي تمام وما كتب عليه من الشروح في العصور الأولى، وأنشر روائع الأدب العربي للجاحظ وأبي هلال العسكري وغيرها، وأنشر أشياء أخرى خطيرة تتصل بعلوم القرآن الكريم. فأي مساعدة للصهيونية أقدس من هذه المساعدة؟»

اقرأ المزيد

من هم الأرمن؟ وكيف كانت حياتهم في مصر؟

كتير بنسمع عن الأرمن لكن البعض مننا معندوش معلومات كافية عنهم وعن دورهم في المجتمع.



0
0
0
0
1
1
0

شارك المقال