كتب- محمد أحمد:

«الهدية» في عالم السياسة تحمل رسائل محددة يريد صاحبها إيصالها إلى الطرف الآخر دون أن يصرح بها، وقد تكون مقدمة لفتح باب الحديث في موضوع شائك، وربما تكون بمثابة «جر رجل» إلى حقل ألغام سياسية.

كل هذه التكهنات ثارت عقب ثورة يوليو 1952 عندما أرسل الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور هدية إلى رئيس مجلس قيادة الثورة اللواء محمد نجيب.

لويد سي جاردنر تناول القصة في كتابه «مصر كما تريدها أمريكا. من صعود ناصر إلى سقوط مبارك».

كان المسدس يحمل رسالة مفادها أن أمريكا ستغدق المعونات والمساعدات العسكرية على مصر الثورة في حال استجابتها لمطالب «واشنطن»

بعد انتخاب دوايت أيزنهاور رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية توجه وزير خارجة أمريكا فوستر دالاس في مايو من العام 1953 إلى الشرق الأوسط. وتخير الإثنان هدية غريبة لتقديمها إلى اللواء محمد نجيب، كانت عبارة عن مسدس عيار 38، بقشرة من الفضة حُفر على عقبه «إلى اللواء محمد نجيب من صديقه دوايت أيزنهاور».

كان من المفترض تقديم الهدية بعيداً عن الإعلام لكن أحد المصورين التقط صورة للمشهد، واندلعت بسببها عاصفة في الصحافة البريطانية، وناشد رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل صديقه القديم في الحرب «أيزنهاور» تقديم تفسير لمثل تلك الهدية (كانت هناك مطالب بجلاء القوات الإنجليزية من مصر في ذلك الوقت). عندها طمأن «أيزنهاور» رئيس الوزراء البريطاني قائلاً إن مسدساً واحداً ليس «تمهيداً لأسراب من الطائرات والدبابات والمدافع».

حينما التقى «دالاس» اللواء محمد نجيب للمرة الأولى فإنه واقعياً وعده بتزويد مصر بالسلاح إذا أمكن تسويغ تلك المعونة، وقال «ستكون الولايات المتحدة على استعداد لدراسة جعل الجيش المصري قوة عالمية حقيقية»، وذكر أن «لمصر إمكانات عظيمة للمستقبل ليس فقط بالنسبة لها بل كمثال يحتذي به الآخرون».

كان ذلك المثال الذي يحتذي به الآخرون هو الشرط الأساسي لتبرير المعونة، وعبر عنه «دالاس» صراحة بقوله إن سياسيات الإدارة الجديدة في مصر ستوّجه أولاً وقبل كل شيء لمجابهة أي تهديد شيوعي.

حاول «دالاس» تحفيز «نجيب» وتحميسه بأن طلب منه النظر إلى العالم، حيث سيجد أن الشيوعيين يحكمون ثلثه، كما أن وفاة جوزيف ستالين قبل ذلك بأسابيع لم تغير شيئاً من الأوضاع في العالم، واصفاً الخطر الشيوعي بأنه يماثل «العقيدة الدينية وأنه يمضي فى الانتشار دونما توقف، بل إنه اقترب من مصر بالفعل».

وأضاف الوزير الأمريكي أن واشنطن أهملت الشرق الأوسط لوقت أطول مما ينبغي، رغم أنه المنطقة التي نشأت فيها الديانات العالمية العظيمة ونبتت فيها كثير من الجذر الثقافية للحضارة الغربية، وأن مصر بتنفيذها المتطلبات الأمريكية لن تقتصر مكافأتها على المعونة العسكرية فقط.

وأكد «دالاس»: «قد تكون الولايات المتحدة ركزت في الماضي وبأكثر مما ينبغي على إسرائيل لتحقيق مصالحها، كنتيجة لممارسات جماعات الضغط بأمريكا، لكن الإدارة الجديدة تسعى لتبني نظرة أكثر توازناً إلى الشرق الأوسط، نظرة لا تتوجه ضد العرب أو ضد اليهود».

كان المسدس إذن يحمل رسالة مفادها أن أمريكا ستغدق المعونات والمساعدات العسكرية على مصر الثورة في حال استجابتها للمطالب، ولكن يبدو أن السنوات التي أعقبت هذا اللقاء جاءت بما لا تشتهيه السفينة الأمريكية.

اقرأ المزيد

هذه مساوئ «ثورة يوليو»

بعيدا عن القول بأن احداث 23 يوليو ثورة او انقلاب، نعرض المساويء المبنية على تلك الاحداث والتي اقرها الخبراء السياسيون.



0
0
0
0
0
0
0