على مدار التاريخ المصري استمدت عائلات كثيرة من ثرواتها نفوذاً مكّنها من لعب أدوار سياسية خلال بعض الفترات، تنوعت بين مقاومة المحتل أو قيادة الثورات الشعبية في أماكن نفوذها أو الحصول على عضوية البرلمان وشغل المقاعد الوزارية. «شبابيك» يستعرض في هذا التقرير عدداً من العائلات التي لعبت أدواراً سياسية في الوجه البحري.

أبو قورة – مقاومة الحملة الفرنسية

«أبو قورة» من العائلات الكبيرة المتشعبة في مناطق مختلفة داخل الدقهلية وخارجها. ويذكر الدكتور رضا أسعد في كتابه «أعيان الريف المصري في العصر العثماني» أن عائلة أبو قورة تنتمي للقبائل البدوية التي كانت متوطنة على أطراف الدلتا، ما انعكس على ردود الأفعال العنيفة من قبل بعض أعيان العائلة تجاه بعض الأحداث.

الطبيعة البدوية فرضت نفسها على نشاط العائلة، فعمل أعيانها على اقتناء الجياد والاستثمار فيها عن طريق البيع والشراء.

قوة العائلة فرضت نفسها على السلطة في بعض فترات التاريخ العثماني حيث لجأت إليها لحفظ الأمن بالمناطق المجاورة لها بالدقهلية، وكان شيخ العرب محمد بن علي أبو منصور أبو قورة شيخاً لمشايخ عربان الساحل بنفس المديرية.

وبحسب «أسعد» فقد «كان أبو منصور المحرك لمقاومة الحملة الفرنسية بمدينة المنصورة عام 1798، عندما أشعل الأهالي النار في معسكر الفرنسيين ففروا هاربين إلى دمياط، ولكن رجال المقاومة قطعوا عليهم الطريق وقتلوا عدداً كبيراً منهم».

وروى «أسعد» أن رجال المقاومة نجحوا في أسر زوجة أحد الضباط الفرنسيين وابنتها وأبقوا عليهما ولم يمسوهما بسوء، واشتراها «أبو منصور» وتزوج بها، فلبثت عنده حتى وفاته عام 1808، وظلت قائمة على تربية أولادها منه بعد وفاته.

كلوت بك كبير أطباء الجيش المصري في عهد محمد علي أيد هذه الواقعة في كتابه «لمحة عامة إلى مصر»، وروى أنه عندما زار منزل «أبو منصور» في قرية ميت العامل عام 1834 – أى بعد 36 سنة من الواقعة – قابل الزوجة وابنها وحكت له أن العرب أسروها وأركبوها جواداً وانطلقوا بها إلى «أبو منصور» الذي بذل لها من مظاهر العطف والميل ما لا يوصف، كما جردها من ثيابها الأوروبية وألبسها ثوباً شرقياً فضفاضاً، ثم سلمها حلى كثيرة، وجعل في خدمتها عدداً من العبيد والجواري.

وحينما رزقت السيدة الفرنسية من «أبو منصور» بغلام ضعفت رغبتها في العودة لذويها، وآثرت البقاء بميت العامل.

وبحسب «كلوت بك» فإن «أبو منصور» كان يقاوم سلطة الإدارة مدة مشيخته، وكانت له السيادة في غرب إقليم المنصورة آنذاك، إذ كان يملك 44 قرية وبضعة آلاف من الجمال وقطعاناً لا عدد لها من الأغنام، وأكثر من 500 عبد وجارية من الأرقاء.

طوبار – التعاون مع الشوام والمماليك ضد الفرنسيين

من أهم العائلات التي أقامت في المنزلة بالدقهلية وتقلدت مشيختها في القرن الثامن عشر، فضلاً عن تولى بعض أفرادها مشيخة منية الطيب بضواحي دمياط وكفر البطيخ التابع لمديرية الغربية في بعض الفترات.

يقول «أسعد» في كتابه «أعيان الريف المصري في العصر العثماني» إن عائلة طوبار «لجأت إليها الإدارة في بعض الفترات لضمان الاستقرار الأمني في المنطقة الممتدة بطول الضفة الشرقية للنيل من دمياط إلى المنصورة بالتعاون مع بعض أعيان القرى المجاورة».

واستطاع حسن طوبار تكوين مثلث من العلاقات الداخلية والخارجية هدفها مقاومة الحملة الفرنسية في المنصورة والمنزلة ودمياط، قاعدته كانت في المنزلة وأحد أضلاعه في جنوب الشام مع إبراهيم بك (زعيم المماليك كان مرابطاً بفلول جيشه في الشام بعد هزيمته من الفرنسيين)، والآخر مع العثمانيين في عكا.

وروى «أسعد» أن «طوبار» أشعل نار المقاومة ضد الفرنسيين في مختلف القرى الواقعة بين المنصورة ودمياط وعرقل تقدمهم وأوقع منهم قتلى، ونما إلى علمهم أنه يجهز أسطول الصيد الذي يمتلكه لمهاجمة الفرنسيين في دمياط.

تأخر الدعم العسكري لـ«طوبار» من بلاد االشام فضلاً عن عدم التنظيم الجيد، وفرق العدد والعتاد لعب الدور الرئيس في هزيمته أمام الفرنسيين فاستولوا على المنزلة بهجومين بري وبحري، ففر «طوبار» إلى غزة.

رغم هجرة «طوبار» إلى غزة إلا أنه ظل مصدر قلق للفرنسيين، فخشوا أن يفكر في الرجوع إلى شواطئ دمياط وبحيرة المنزلة ويستأنف المقاومة، وجاءتهم أنباء أنه يعد فعلاً قوة من المشاة عزم على نقلها في 50 سفينة ليحتل بها دمياط، إلا ان ذلك لم يتحقق.

أباظة – مناصب تنفيذية وعضوية بالبرلمان

وجيه أباظة

أفرادها الأوائل كانوا «مماليك» ينتمون إلى منطقة أبخازية في جورجيا. وذكر الدكتور محمد رفعت الإمام أستاذ الآداب في جامعة دمنهور لـ«شبابيك» أن محمد علي باشا منحهم إقطاعيات كبيرة في الشرقية والمنوفية والقليوبية وفي الصعيد، بهدف استقرارهم وألا يكونوا رُحل لأنهم كانوا يتسببون في مشاكل كثيرة.

وشرح «الإمام» أن «والي مصر كان يتبع سياسة توطين البدو حتى يأمن شرهم، ويدينون له بالولاء له».

كوّن الأباظية ثروات ما لبثت أن تحولت إلى نفوذ إداري وسياسي، وأصبح لهم رموزا فاعلة في فترات تاريخية مختلفة مثل الشاعر عزيز أباظة الذي كان عضواً بمجلس النواب سنة 1929، ثم محافظاً لبورسعيد عام 1942.

وجيه أباظة من أهم رموز العائلة. كان أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار الذي قام بثورة يوليو 1952، وتولى منصب محافظ البحيرة (1960- 1968)، ثم محافظا للغربية لمدة عامين ثم القاهرة لمدة عام واحد.

الشرقاوي – مقاومة الفرنسيين من الأزهر

الشيخ عبدالله الشرقاوي

عائلة «الشرقاوي» موزعة ما بين المنوفية والقليوبية والشرقية. وذكر الدكتور محمد رفعت الإمام أستاذ الآداب في جامعة دمنهور أن العائلة أنجبت الشيخ عبدالله الشرقاوي الذي تولى مشيخة الأزهر (1793- 1812)، وكان له دور كبير في مقاومة الحملة الفرنسية.

الشيخ عبدالله الشرقاوي كان له دور أيضاً في الثورة التي قام بها المصريون في عام 1805 ضد الوالي العثماني خورشيد باشا بسبب الضرائب الباهظة التي فرضها على المصريين. وذكر الدكتور عمرو منير في كتابه «ثورات مصر الشعبية» أن شيخ الأزهر استجاب للجماهير المحتشدة في فناء دار المحكمة وقام مع عمر مكرم بتولية محمد علي حكم مصر وألبساه خلعة الولاية.

ظهر دور «الشرقاوي» في فترة شهدت تصاعداً للدور السياسي لشيوخ الأزهر بدءًا من الحملة الفرنسية، ثم الأحداث التي تلتها في القرن التاسع عشر، وهؤلاء الشيوخ كانوا انعكاساً لشبكة عائلات كانت تمثل تكتلاً اقتصادياً وإدارياً، بحسب «الإمام».

ماهر – بين الموالاة للقصر والإنجليز

عائلة شركسية عريقة. بحسب ما ذكره أستاذ التاريخ الحديث بجامعة دمياط الدكتور أحمد المُلا لـ«شبابيك» خرج منها شخصان تناقضت توجهاتهما السياسية وهما الأخوان أحمد وعلي ماهر. الأول كان وفدياً متطرفاً، وعندما انقلب على حزبه أسس حزباً جديداً هو الدستوريين السعديين، واتخذ موقفاً موالياً للإنجليز.

وأنُتخب أحمد ماهر في مجلس النواب عام 1924، واختاره سعد زغلول وزيراً للمعارف في نفس العام.

وذكر «المُلا» أن علي ماهر كان «موالياً للقصر، فشغل رئيس الديوان الملكي في عهد الملك فؤاد، وتولى رئاسة الوزراء أربع مرات كان أولها عام 1936، والأخيرة بعد ثورة يوليو 1952 عندما عهد له الضباط الأحرار بأول وزارة».

الغزالي – إخوانية وشيوعي

تتركز في مدينة ميت غمر بالدقهلية. وخرج منها أخوان متناقضين في توجهاتهما السياسية هما النقابي القيادي الشيوعي عبدالمنعم الغزالي وأيضاً شقيقته زينب الغزالي القيادية في جماعة الإخوان المسلمين.

الجندي – جمهورية زفتى

يوسف الجندي


تتمركز في مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية. وفي كتابه «أيام لها تاريخ» ذكر أحمد بهاء الدين أن هذه العائلة لعبت دوراً كبيراً أثناء ثورة 1919، من خلال الأخوين عوض ويوسف الجندي اللذان أعلنا استقلال قرية زفتى عن السلطنة المصرية في ذلك الوقت.

وروى «بهاء الدين» أن «عوض» قبض عليه في عام 1913، ووجهت له تهمة تعليق منشورات على أسوار البرلمان، أما «يوسف» ففصل سنة 1914 من كلية الحقوق، لأنه حرض الطلبة على الإضراب احتجاجاً على إعلان الحماية الإنجليزية على مصر عقب بدء الحرب العالمية الأولى.

وفي كتابه «أيام لها تاريخ» ذكر أحمد بهاء الدين «أعلن يوسف الجندي عن تشكيل لجنة للثورة من بعض الأعيان والمتعلمين والتجار الصغار، ووضعت يدها على مركز البوليس ومكتب البريد ومحطة السكة الحديد».

لكن محاصرة القوات الأسترالية بفوهات مدافعها للقرية كتب نهاية لتجربة جمهورية زفتى، وفر «يوسف» هارباً إلى قرية دماص المجاورة.




0
0
0
1
0
0
0