كتب- محمد أحمد:

لا يعرف كثيرون أن كلية الطب التي يتهافت عليها خريجو الثانوية العامة هي نتاج تطور تعليمي، وضع أساسه طبيب فرنسي أتى به محمد على باشا في منتصف القرن الـ19 ليضع بذور التعليم الطبي في مصر، وقت كان المصريون يعتمدون على وسائل بدائية لمداواة مرضاهم.

لكن ما هي حكاية هذا الرجل؟ وكيف استطاع تعليم المصريين فنون الطب الحديث؟ الحكاية يرويها عمر طاهر في كتابه «صنايعية مصر».

‏والي مصر محمد علي باشا اكتشف أن سقوط ضحايا في جيشه مرتبط بالأمراض أكثر من ارتباطه بالمعارك التي يخوضها‏، وأنه لا يوجد نظام واضح للتعامل مع تدهور حالة الجرحي أو مع الأوبئة التي قد يواجهها الجيش فأرسل صديقا له إلي فرنسا طالبا منه أن يعود بحكماء للجيش من هناك‏.‏

كان قرار انطون كلوت واضحاً. قال إنه لن يستعين بحكماء غير مصريين، وسيصنع من أحفاد مخترعي الطب حكماء جدد، لكن الموضوع لم يكن سهلاً

في مارسيليا كان الأمر صعبا و لم يلق العرض قبول كثيرين، ولكن انطون كلوت كان مهيئا تماما للمهمة، وكان واضحا للجميع أنه يسعي لمجد ما، فكر انطون كلوت في مجد زرع علوم الطب في أرض بعيدة، لكنه علّق موافقته علي 3 شروط.

ألا يتدخل أحد في عمله كان الشرط الأول، وألا يتم إجباره علي السير مع الجيش كان الشرط الثاني، وتمثل الثالث في أن يظل علي ديانته المسيحية، ووصل الرد سريعا يطلب تحديد موعد الوصول المتوقع.

أول ديوان للصحة

كان قرار انطون كلوت واضحاً. قال إنه لن يستعين بحكماء غير مصريين، وسيصنع من أحفاد مخترعي الطب حكماء جدد، لكن الموضوع لم يكن سهلاً، فلم يكن لدي عموم المصريين همة للتعلم، وخصوصا علي يد رجل لا يتحدث سوي الفرنسية.

كان الحكيم الفرنسي يفكر في حل بينما يؤسس أول ديوان (وزارة) للصحة في مصر. في البداية اختار بعناية العاملين في الجيش، وطور مهارتهم التنظيمية قبل الطبية، ثم علّمهم التمريض وكيفية العناية بالمريض.

وعندما لاحظ أن بعض ضباط الجيش يتعاملون بتعال مع التمورجية، أبدي الحكيم الفرنسي تذمره وقال إنه لن ينتقل إلي خطوة جديدة قبل التعهد بإزالة الامتياز بين الضباط ومساعديه الذين اختارهم بعناية حتى لا يضيع مجهوده.

حصل انطون كلوت علي ما طلبه فقرر البدء في إنشاء أول مستشفي عسكري، واختاروا لها منطقة أبي زعبل بالقرب من القاهرة، وأشرف علي كل تفصيلة فيها، والمعدات والأسرة وحديقة المستشفي ونوع النباتات الطبية التي ستتم زراعتها وجناح مدرسة الطب التي لا يزال يبحث عن طلبة لها.

قال الحكيم الفرنسي: أعلنوا عن حصول الطالب علي منحة مالية وطعام مجاني طوال إقامته ربما يثير العرض شهية المصريين. وكان العرض مرتبا شهريا قدره (100 قرش) بخلاف الطعام، وبعد وقت قليل كان يقف في حديقة مستشفي أبي زعبل أول 100 شخص سيتعلمون الطب في مصر.

أزمة التشريح

 

علي هامش المدرسة كان هناك معسكر مهمته ترجمة قائمة أعدها الحكيم الفرنسي تضم كتباً في الحكمة والطبيعة، إلي أن خرج من معسكر الترجمة خبر يقول إن الحكيم الفرنسي طلب منهم ترجمة كتاب عن التشريح.

وكان هناك من لا يرتاح للحكيم الفرنسي والمكانة التي يحظى بها، وعندما وصل إليهم خبر يقول إن تشريح جثث الموتي سيتخذ مكاناً في مدرسة الطب نقلوا الخبر مصحوبا بامتعاض أهل مصر إلي محمد علي.

كان الوضع محرجاً في بلد مسلم يشكو أهله من تجرؤ خواجة غريب علي جثث موتاهم، قرر محمد علي أن يناقش الحكيم الفرنسي في الأمر، فقدم له الأخير محاضرة في أهمية علم التشريح.

فكر كلوت بك أنه بحاجة إلي طبيبات، لكن كيف وهو الذي أهلكته الحرب حتي يقنع بعض الذكور بدراسة الطب. رغم ذلك قرر المحاولة وأعلن عن إنشاء قسم للولادة

 كان محمد علي ذكيا بما يجعله يمسك العصا من المنتصف. أصدر قراره بأن يتم التشريح بإذن من قاض هو الذي يحدد المصلحة، ملقياً بذلك الكرة في ملعب القضاء وبذل الحكيم الفرنسي جهداً كبيراً حتى حصل علي الإذن.

أثار ذلك كارهي الحكيم الفرنسي أكثر من ذي قبل، وصارت فتنة انتهت بأن دخل أحد طلاب مدرسة الطب علي الحكيم الفرنسي يوما ما يعرض عليه مسألة، وبينما الفرنسي يتأملها حتي انهال عليه الطالب بطعنتين، واحدة في جمجته تفادها وواحدة في قلبها تلقاها بذراعه.

استرجع الحكيم الفرنسي الوقت الذي مر، كان يعرف أنه في منتصف الطريق، ولم يفشل بيد أنه لم ينجح بعد، فكر فيما يجب أن يفعله، فعاد إلي مدرسته و فتح الباب أمام الطلاب قائلاً «فليبق من يريد وليرحل الآخرون».

نواة الطب المصري

بعد سنوات قليلة بقي في حوزة الفرنسي 12 طالباً. طلب أن يصطحبهم إلي فرنسا ليتم اختبارهم في الجمعية الطبية بحضور عظماء العلماء الأوربيين.

محمد الشباسي

​​​​​​​وافق محمد علي، وسافر الفرنسي مع: أحمد وحسن الرشيدي- محمد منصور- إبراهيم النبراوي- حسن الهيهاوي- عيسي النحراوي- مصطفي السبكي- محمد الشباسي- محمد السكري- محمد الشافعي- أحمد بخيت- محمد البقلي. وكانت هذه الأسماء فيما بعد نواة الطب في مصر.

عاد كلوت بك إلي مصر منتشياً، وطلب نقل المستشفي من أبي زعبل إلي قلب القاهرة، فنُقلت إلى قصر العيني، وطلب من تلاميذه أن ينتشروا في ربوع مصر يعلمون ويطببون، وأن يساعدوه في حملة لتطعيم أطفال مصر ضد الجدري، ونظّم تدريبات لحلاقي الصحة في القطر لمباشرة المهمة.

مطلوب طبيبات

لاحظ تلاميذ الطبيب الفرنسي وفيات الأمهات والأطفال عند الولادة، وأن الرجال يمنعون الأطباء من الدخول علي نسائهم ويفضلون موتهن قبل أن يقترب منهن رجل غريب.

فكر كلوت بك أنه بحاجة إلي طبيبات، لكن كيف وهو الذي أهلكته الحرب حتي يقنع بعض الذكور بدراسة الطب. رغم ذلك قرر المحاولة وأعلن عن إنشاء قسم للولادة في المستشفي ومدرسة لـ«الدايات» لكن أحدا لم يهتم.

وقال له محمد علي «سأشتري لك طالبات»، ثم أرسل من يشتري من سوق العبيد في الحبشة 10 فتيات، شرع كلوت بك في تعليمهن، وعلي هامش المهمة لاحظ أن هناك عدداً من البنات اليتامي صغيرات السن كان يتم علاجهن في المستشفي وبعد تمام شفائهن لم يطلبهن أحد من أقاربهن، فضمهن كلوت بك إلي المدرسة ثم ألحقهن بتلاميذه في عموم البلاد وأبقي منهن عدداً لقسم الولادة.

الرحيل

 

 

رحل محمد علي فساءت الأمور، وسقط شرط الفرنسي الأساسي في الاستمرار بعد أن أصبح الجميع يتدخل في عمله، فعاد لبلاده. في الميناء كان يودع شريكه في التجربة مترجمه الدائم الطبيب محمد الشافعي ويوصيه أنه في حال عدم قدرة الطب في مصر علي أن يتقدم خطوة للأمام فعليه أن يقاتل حتى لا يعود إلى الخلف.

عندما تولي سعيد باشا أمور الحكم كان أول ما فعله أن أرسل في طلب كلوت بك ليستكمل ما انقطع من العمل قبل عدة سنوات برحيله، وكان قد كبر في السن لكنه عاد بالهمة القديمة. كان كلوت بك يتابع ما أنجزه بفخر ثم قال لطلابه: «الآن تطيب لي الراحة لذهابي في الشيخوخة وضعف قوتي».

كان رحيل زوجة كلوت بك قد أنهكه لكنه تماسك حتي اقترب بتجربته في مصر من المجد الذي كان يحلم به، فأصبح هناك مستشفيات وأطباء مهرة وتمورجية ودايات وخطط تطعيم ومدرسة للصيدلة. واطمئن إلي ما أنجزه فعاد إلي مارسيليا ثم رحل في أغسطس 1868.




1
0
0
0
0
0
0