أن يتخذ عامة المسلمين ولياً فهذا «شئ عادي»، وأن يتخذ المسيحيون قديساً فهذا أيضاً أمر عادي، ولكن أن يُنظر إلى شخص واحد على أنه ولي صاحب كرامات وفي نفس الوقت قديس صاحب خوارق، فهذا أمر غير منطقي، ولكن ليس في مصر.

«غير المنطقي» حدث بالفعل من خلال «برسوم العريان» الذي يقيم له المسيحيون مولداً في منتصف سبتمبر من كل عام باعتباره قديساً، وفي نفس الوقت ينظر له بعض المسلمين كونه ولياً.

ما هي حكاية «العريان» وكيف اتخذه بعض العامة من المسلمين ولياً صاحب كرامات؟ القصة يرويها الباحث عصام ستاتي في كتابه «مقدمة في الفولكلور القبطي».

ولد برسوم العريان سنة 1257م بمصر. واسمه مليء بالزهد والتقشف، فكلمة «بار» سريانية نقلت إلى القبطية بمعنى ابن، وكلمة «سومي» قبطية تعني الصوم، أي أن برسوم تعني «ابن الصوم». أما كلمة «عريان» العربية فهي كناية عن الزهد، والاسم في مجمله يوحي إلى روحانية وصوفية ورهبانية.

العريان والثعبان


كان والده يُسمى «الوجيه مفضل»، كاتب الملكة شجر الدر، وأمه من عائلة التبان. ولما توفي أبواه استولى خاله على كل ما تركاه له فلم ينازعه، بل ترك العالم وعاش عيشة الأبرار، وساح خارج المدينة 5 سنوات يقاسي حر الصيف وبرد الشتاء، ولم يكن يلبس سوى عباءة من الصوف مقتدياً في ذلك بالقديس الأنبا بوبل أول السواح.

وحبس نفسه في مغارة داخل كنيسة القديس مرقوريوس أبي السيفين 20 عاماً ملازماً الصوم والصلوات ليل نهار بلا فتور، وكان في تلك المغارة ثعبان إلا أنه استطاع استئناسه وتطويعه حتى أقام معه 25 عاماً دون أن يؤذيه.

سيدي العريان

يقام مولد برسوم العريان في منتصف سبتمبر بالمعصرة قرب حلوان بالقاهرة. ويشهد المولد جواً من التسامح الديني بين المسلمين والأقباط، فالعامة من المسلمين يشيرون له بـ«سيدي محمد البرسومي» أو بـ«سيدي البرسومي» أو بـ«سيدي العريان».

وحياته مع الثعبان بعد أن نزع منها الشر دفعت الجماعة الشعبية من المسلمين لإيجاد صلة بين «العريان» وبعض الأولياء. وربطت بينه والرفاعي في مسألة التعامل والتعايش مع الأفاعي، ومن ثم فهم عادة ما يهتفون «عم يا عريان يا طب التعبان» و«عم يا رفاعي يا طب الأفاعي».

ورغم أن كل نداء يقال في مكان مختلف فإن السمة واحدة وهي إعطاء كل من «العريان» و«الرفاعي» قدراتهما في خروج الثعابين واستئناسها عن طريق وسطائهما الذين يقومون بهذه العملية، وهي مسألة تستحق التأمل.

العريان والبدوي

 

 

وتربط الجماعة الشعبية في هذا المولد أيضاً بين «العريان» والسيد البدوي. وأقام كل منهما على السطوح، فـ«العريان» عاش 20 عاما على سطح الكنيسة، و«البدوي» عاش على سطح منزله في خلوته.

ولكل منهما أيضاً دور في إنقاذ أتباعه، فكما يقال «الله الله يا بدوي جاب اليسرى» أى جاب الأسرى، فإن «العريان» كان يدافع عن شعبه من ظلم واضطهاد الحكام في عصره.

 




المصدر

كتاب «مقدمة في الفولكلور القبطي». عصام ستاتي

6
1
5
2
2
3
11

شارك المقال


صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية