ارتبط بعض الأولياء بحكايات يتناقلها العامة بينهم حول عاداتهم في المأكل والمشرب، ما يدفع المريدين لمحاكاة هذه الطقوس لنيل رضاء الولي وضمان استجابته لمطالبهم.

أغرب هذه الطقوس ما يرتبط بشرب الخمر، وهو طقس يداوم عليه مريدو ولي في الفيوم يدعى «أبو خلف أبو قرعة» الذي كان يسرف أثناء حياته في شرب الخمر.

ولكن ما حكاية هذا الولي السكير؟ ولماذا يصر المريدون على تقليده؟ الحكاية يرويها الدكتور إبراهيم عبدالعليم حنفي في كتابه «تحت القبة شيخ.. حكايات الأولياء».

الإسراف الشديد

ارتبطت حكاية الولي أبو خلف أبو قرعة بالخصوبة والخلاص، فالمجتمع يعتبره ولي قضاء الحاجة الجسمية والنفسية. يُحكى أنه كان شاباً قوي البنيان عاش منعزلاً بمكان مقامه الآن بمنشأة الفيوم معتزلاً النساء، ولم يتزوج طيلة حياته هارباً من كل القيود التي تحد من حركته، فكان يسير مهرولاً في الطرقات منكباً على وجهه لا يدري ولا يبالي بما أعطاه الله من أموال وأطعمة، فينثرها مرة ويحتفظ بها مرة هاذياً بكلام يتوقع حدوثه في المستقبل.

لقب «أبو قرعة» جاء من إسرافه الشديد وعدم مبالاته بما ينفق ويأكل، فالجماعة تصف الإنسان المبذر بأنه بـ«قرعة» أو «أبو قرعة»، أو ربما يرجع لأنه كان يشرب الماء في نصف ثمرة قرع.

من كراماته المتداولة بين مريديه، أنه منع ذات يوم ضرراً وهلاكاً كان يؤدي إلى موت بعض الناس، عندما كسر إناء الفول (القدرة) الذي اعتاد أن يأكل منه كل صباح.

كان صاحب «القدرة» يفرح بمرور «أبو قرعة»، ولكنه هم بغضب شديد وهشّم الإناء، وتعجب المشترون من هذا الفعل فإذا بهم يجدون ما يقطع عليهم دهشتهم، فإذا هي حية تسعى لهلاكهم ماتت بسمها داخل الإناء.

عندئذٍ شكره البائع وشهد له المجتمع بالولاية، وتنتشر هذه الحكاية بين العامة فتعده من الحواشين (أفراد يمكنهم استئناس الثعابين والحيات). 

طقس السُكر

شرب الخمر من الطقوس التي تمارس في مقام« سيدي أبو خلف أبو قرعة»، حيث يحرص المريدون على أدائه بدءاً من غروب الليلة السابقة ليوم شم النسيم حتى منتصفها وهم يغنون ويمرحون.

الطقس هو محاكاة لما كان يفعله الولي في حياته في نفس هذا الموعد من كل عام، لذا يمارسه المجتمع رغبة في إرضاء الولي، فيدعوه أن يحفظ الزرع والأرض والأولاد، أو أن يشفي مرض العقم، ويلبي حوائجهم.

أثناء حلقات الذكر وسماع الإنشاد الديني يكثر المنشد من صفات الولي من شرب الخمر، وقضاء حاجات الناس، وينشد المنشد من مقام السكر  الصوفي أبياتاً:

يا أخي ما تخاف الله .. يا سكران ما تخاف الله

خمر الناس من عنب ..  ومر الله تو فكري

ويروي مؤلف كتاب «تحت القبة شيخ.. حكايات الأولياء» أنه شاهد سيدة تحتسي الخمر وقد بدأت تتمايل يميناً ويساراً حتى فقدت الاتزان، وبعد أن تماسكت عرف منها أنها لا تنجب لذا شربت ما هو لاذع ومر كي يسقيها الولي الحلو فينعم عليها بالأولاد، ثم راحت تغني مع مجموعة بين النساء والشباب والرجال.

قم بينا يا خلي نسكر  ..   تحت ظل الياسمينة

نقطف الخوخ من على أمه  .. والعوازل نايمة

كشف الكرامات

بعض الصوفية عللوا احتساء الولي للخمر حتى يسكر بأنه مجرد فعل يستتر به على الناس حتى لا تكشف كراماته. ذلك لأن الـ«ولي يستحي من كراماته كما تستحي البنت البكر من دم الحيض».

يشرب المنشدون في حلقة الذكر الخمر ويتعاطون النباتات المخدرة مثل الحشيش والأفيون، وعندما سأل الباحث عن الظاهرة أجابه أحد المنشدين أن أول من اكتشف الحشيش كان متصوفاً ورعاً.

امتداد هذه الفكرة ترجع إلى ما ذكره المقريزي من أن رجلاً من الهند اكتشف الحشيش وكان اسمه البيروتز، وكان زعيماً لإحدى الطرق الصوفية، واستعملها بعده الصوفيون.

هناك رأي ثانِِ يرجع اكتشاف الحشيشة للشيخ حيدر المتوفي سنة 618 هجرياً في خرسان. وأوصى أصحابه أن يزرعوها بعد وفاته، كما جعلها وقفاً على رفاقه.

أثناء أداء طقس شرب الخمر يقوم منشد شعبي بالغناء للزائرين، وكأنهم يعلنون عن قدوم الاخضرار والنماء، وحلول القداسة على الأرض في هذا اليوم الذي تحتفل فيه الجماعة بمولد الولي بأغنياتها التي تذكر الولي خلف أبو قرعة كثيراً، فينعم عليهم بالبركة.

طقس البرسيم

ويستقل مريدو «أبو قرعة» أثناء ذهابهم لمقامه العربات الكارو التي كان الولي يعتاد ركوبها ويرددون جملة «رايحين جايين جايين رايحين»، ويعلقون أجراسا برقاب الحمير ويعتقدون أنها تمنع عنهم الشياطين بصوتها أو رنينها، وهم يغنون:

أبو خلف أبو قرعة   ..  أبو خلف أبو قرعة

رايحن جايين    ..    جايين رايحين وبرده بقرعة

يا بو خلف انعم علينا   ..  ادحنا روحنا وجينا

أبو خلف أبو قرعة   ..   أبو خلف أبو قرعة

وأثناء ركوبهم عربات الكارو يمسك المريدون بأحزمة البرسيم وتضرب كل جماعة الجماعة المقابلة.

وعند نزول السيدات من العربات تزغردن بشدة اعتقاداً أن ذلك يبعد الشياطين.

بعد ذلك يغني المريدون حكاية الولي الذي ضرب القدرة وأخرج منها الثعبان فمنع البلاء عن مجتمعه المتمثل في سم الثعبان، وبذلك تحققت كرامة من كراماته.

فرحان والفرح  ..   باين في عينيه

لما ضرب القدرة   ..  القدرة بايديه

ضرب القدرة   ..   طلع تعبان بايديه

وراح قالع هدومه  ..  والكل باس اديه

أبو خلف أبو قرعة ..  يا عيني والله عليه

شيل لله    ..   شيل لله يا أبو خلف

يذكر أن مدينة الفيوم بها عدد من مقامات الأولياء الذين يتردد الأهالي على زيارتها أهمها الروبي وخلف أبو قرعة وحابس الوحش.




المصدر

كتاب «تحت القبة شيخ. حكايات الأولياء».الدكتور أبراهيم عبد العليم حنفي,

1
0
2
0
0
1
0

شارك المقال


صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية