الإيموشن أو «الإيموجي»  نستخدمه كثيرا في شات «فيس بوك» أو «واتس آب»، حتى أصبح مثل اللغة العالمية، التي تمكننا من التعبير عن مشاعرنا.. لكن هل سألت نفسك يومًا من أين جاء هذا الاختراع اللطيف المحبب للنفوس؟

الإيموشن.. اكتشاف البشرية العظيم!

في بداية الثمانينيات؛ كانت لدى عالم الكومبيوتر الأمريكي «سكوت فاهلمان» عادة غريبة..  يعود إلى بيته كل ليلة، بعد أن ينهي عمله كباحث وأستاذ جامعي؛ ليجلس في ضوء خافت أمام  جهاز الكومبيوتر الخاص به - لا شك أنه كان واحدا من أحدث أجهزة الكومبيوتر في ذلك الوقت -  لن يقوم «سكوت» بأي أبحاث هذه المرة، ولكنه سيتصفح المنتديات ومجموعات الدردشة التي انتشرت في المجتمع الأمريكي في ذلك الوقت.

يقضي «سكوت» وقته في قراءة الكثير من النقاشات، وبالذات النقاشات الساخرة التي تمتلئ بالضحك؛ وكأنه «يسلّي» وقته لا أكثر. لكن الحقيقة أن عقله كان مشغولا بهذه «الخناقات» التي تشتعل بسبب أن بعض الناس لم يفهموا هذه المزحة أو تلك.. كما يحكي في مقال له. 

وسأل عالم الكومبيوتر نفسه.. كيف يمكنه اختراع وسيلة تنقل المشاعر الحقيقية خلال هذا الكومبيوتر الحديدي؛ في الوقت الذي تغيب فيه نبرة الصوت وتعبيرات الوجه التي توصل المعنى الحقيقي للكلام؟

وفي ليلة التاسع عشر من سبتمبر عام 1982، اهتدى «سكوت» لفكرة ودونها بسرعة.. وهي استخدام علامات الترقيم للتعبير عن المشاعر خلال استخدام الشات أو الإيميل.

ومن هنا جاء أول استخدام للإيموشن «:-)»  للتعبير عن السخرية؛ والإيموشن «:-(» للتعبير عن الكلام الجاد.. لم يكن للأمر علاقة بالحزن أو الفرحة حتى تلك اللحظة.


وفي صباح اليوم التالي كان عالم الكومبيوتر يقترح - هذا الاكتشاف العظيم – على زملائه في جامعة «كارنيجي ميلون» التي يعمل بها.

فكرة «سكوت» لاقت اهتماما كبيرا من زملاءه الباحثين، وأعجب مستخدمو الإنترنت بهذا «الإيموشن» الذي يمكنهم من التعبير عن مشاعرهم، التي لا يستطيعون إيصالها بالكلام. ومن أنفسهم توسعوا لاستخدام الإيموشن «:-)» للتعبير عن الفرحة بدلا من السخرية؛ والإيموشن «:-(» للتعبير عن الحزن بدلا من الجدية.

وأصبح من الضروري أن يجتمع علماء الكومبيوتر، مرة أخرى لمناقشة هذا الحدث  السابق لعصره.. يحكي «سكوت» عن تلك الأيام: «بعد ثلاثة أشهر فقط، وبعد أن أحب الناس هذا الابتكار، اجتمعنا في جامعة كارنيجي ميلون،  لنفكر في المزيد من أشكال «الإيموشن» للتعبير عن مجموعة أكبر من المشاعر، وابتكرت وقتها إيموشن الغمزة «-;)» والقلب «:3».

التسعينيات والإيموشن الصفراء

أصبح عالم الكومبيوتر «سكوت فاهلمان» يلقب بـ«أبو الإيموشن» أو «Father of the emoticon» رغم أنه لم يكن يعتبر أن «الإيموشن» اختراعًا عظيما.. يقول بنفسه: «لم أهتم حتى بالاحتفاظ بالنسبة الأولى هذه الأعمال؛ ولم أتوقع أن الإيموشن ستصبح ظاهرة عالمية، بعد سنوات من انتشار الإنترنت، واستخدامه في الحياة اليومية بهذا الشكل».

وفي الوقت الذي لم يكن فيه «سكوت» يهتم «باختراعه العظيم».. أصبحت صناعة «الإيموشن» فيما بعد هواية لدى علماء وشركات الكومبيوتر؛ وبدأت شركة مايكروسوفت في تحويل هذه الإيموشن من علامات الترقيم إلى الوجوه الصغيرة الصفراء «J» و«L». 

ورغم التطوير النسبي الذي أحدثته مايكروسوفت في شكل «الإيموشن». لكن الأمر لم يعجب «سكوت».

«لم أحب هذه الإيموشن التي ابتكرتها مايكروسوفت، ولم أر أي إبداع في تحويلها إلى أوجه صفراء سخيفة، أنا أرتبط نوعا ما بالإيموشن الذي اخترعته، لأنه مناسب أكثر للنص المكتوب، واستغرب كثيرا عندما يطالبني أحد المراهقين أن أطلب من شركة (آبل) مثلا أن يضيفوا إيموشن لرجل إطفاء أو رجل شرطة».. هكذا يقول «سكوت» في حواره مع موقع «Digiday» الخاص بالتكنولوجيا.

قبل التكنولوجيا كانت بعض هذه الرموز تستخدم قديمًا للتعبير عن المشاعر في الخطابات أو رسائل التلغراف

ثورة الإيموجي في اليابان

وفي الوقت الذي كان «سكوت فاهلمان» يتمسك برؤية «تقليدية» لاختراعه، كان هناك  وفي بلد بعيد عنه وعن أمريكا، وتحديدا في «كوكب اليابان»؛ كان الشاب «شيجيتاكا كوريتا» مغرما بهذه الرموز التي ابتكرها «سكوت»، لكنه ظل يفكر كثيرا في وسيلة أكثر فاعلية لتسهيل التواصل خصوصا بلغة معقدة مثل اليابانية.

وكأي شاب ياباني كان «كوريتا» مغرما بالقصص اليابانية المصورة «المانجا» التي تعتمد على الصور والرموز في الحكاية والتعبير عن المشاعر والانفعالات.

المانجا اليابانية، قصص مصورة تعتمد على إظهار المشاعر وتعبيرات الوجه بدقة

اقرأ المزيد

أفلام الأنمي.. سر «مانجا» اليابان التي نافست هوليود (اسمع)

أفلام الأنمي لم تكن وسيلة للاستمتاع فقط، فخلف تلك القصص المسلية والشخصيات الكرتونية المرحة، ينتشر الأنمي بسرعة كبيرة في كل مكان حول العالم

وهنا قرر أن يطور من رموز «سكوت» ويبتكر مجموعة مكونة من  176 «إيموشن» تعبر عن كل شيء، المشاعر، والأطعمة والمشروبات، واتجاهات الطريقة.. وأطلق عليها «إيموجي» وهي كلمة يابانية معناها الصورة الرمزية. وكان ذلك في العام 1999.

«كوريتا» اعتمد في مجموعته على الصور وليس علامات الترقيم. يقول عن اختراعه.. «أردت للإيموجي أن تكون رمزا بسيطة، مثل اللغة العالمية يمكن لأي شخص أن يفهمها».

مجموعة «كوريتا» الأولى للهواتف المحمولة

كان «كوريتا» يتعامل مع اختراعه البسيط بشكل جدي، لكنه لم يكن يعلم أيضا أن هذا الاختراع سيتوسع بهذا الشكل، ويصبح سببا في انتشار مبيعات الهواتف المحمولة في اليابان،  لسهولة الاستخدام والكتابة بعيدا عن الرموز اليابانية المعقدة.

الإيموجي كلغة عالمية

مبيعات الهواتف المحمولة زادت في اليابان، وكذلك انتشر استخدام التكنولوجيا بين المراهقين بفضل «كوريتا» ومجموعة «الإيموجي» التي ابتكرها.. لكن الأمر ظل محدودا في اليابان حتى العام 2007.

ففي هذا العام، أدخلت شركة جوجل «الإيموجي» في الميل والشات الخاص بها، ثم تبعتها شركة آبل في العام 2011، وأدخلتها في نظام التشغيل؛ بعد أن تطور شكله ليناسب التكنولوجيا الحديثة.


ومع العام 2015، كانت «الإيموجي» قد أصبحت مثل اللغة العالمية، للدرجة التي جعلت الكلمة تدخل قاموس أكسوفورد، وتعتبر «كلمة العام».

«ستظل الإيموجي مجرد صور لن تستطيع التعبير عن جميع مشاعرنا أو حقيقتها كلها.. لكنها تساهم فقط في توضيع الصورة إذا كنت تتحدث مع شخص من خلفية ثقافية مختلفة».. هذا ما يقوله «كوريتا» عن اختراعه الذي أصبح اليوم أشبه بلغة عالمية، كما أراد له.




0
0
0
0
0
0
0

شارك المقال


محررة صحفية ومترجمة مصرية مهتمة بشؤون التعليم واللغات وريادة الأعمال