نعيش اليوم في عالم تتحكم فيه الرأسمالية والسعي المستمر نحو جني وتحقيق الأرباح، ومع الحرمان من الخبرة والإثارة الحقيقتين اللتان تشعران الإنسان بتفرده وتأنقه عن غيره من المخلوقات، وفي الوقت الذي استثقل فيه الناس دروب الروحانية وسبلها «يحتاج معظم الناس غريزيًا إلى الهرب من أنفسهم، ليجربوا أنواعًا من الإثارة الرخيصة، وتجد هذه الحاجة إشباعها في الأفلام الإباحية»1 حتى صارت بمثابة ثقافة جماهيرية تسلب حرية المرء، وتنهش روحه، وتقضي على إنسانيته.

وقد صار إدمان الإباحية مشكلة قائمة لها توابع خطيرة على المستوى الفردي والمجتمعي، والحلول المقدمة في التعامل معها في عالمنا العربي لا تتعدي النصائح الطبية التي غالبًا ما تكون مبالغ فيها بشدة، واستحضار النصوص الدينية وقصص الصالحين التي يتناولها الوعاظ بغير توظيف تربوي يتماشى مع عقلية شباب اليوم؛ «فيضعونهم أمام نماذج هي في القمّة من الإيمان والعمل الصالح، ويطالبوهم أن يتحولوا إليها، دون أن يخبروهم: كيف يفعلون ذلك!» 2

الأفلام الإباحية... إدمان وعبودية

تدور الإباحيات حول تسخير المرأة وسيادة الرجل، فالمرأة تظهر كمجرد عاهرة خاضعة أمام سيدها في وضع غير مريح تكون فيه كالحيوان المذلل الذي يكيل له سيده بألفاظ السب والشتم، ولا مانع من بعض الخنق والتعذيب، وكل ما تركز عليه الكاميرا وحسب هو عملية الاتصال الجنسي المباشر مختزلة في الإيلاج!

تخيل نفسك تستمع لأغنية ما بصورة روتينية، تراك ترددها وتحرك بها لسانك من وقت لأخر، فهكذا الإباحيات ستملك عليك فكرك، وتضيع وقتك وجهدك، وتؤهلك نفسيًا لاستعباد أهلك بما ستبثه داخل عقلك من خيالات العنف والسادية التي لا تنتمي إلا لواقع الحيوانات.

إن الزواج سكن، والعلاقة بين الزوجين تقوم على المودة والرحمة لا على استعباد المرأة كما تختزلها الإباحيات.

تأمل قوله تعالى: «وجعل بينكم مودة ورحمة»، وتأمل قول عائشة رضي الله عنها: كنت أشرب فأناوله النبي، فيضع فاه على موضع فيّ، وتقول أيضًا: كان رسول الله يتكئ في حجري وأنا حائض، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يعلن لها حبه ويصارحها به، ويقبلها وهو صائم، وكان يصحبها في سفره، ويسير معها ليلاً وهي على حصانها، وكان يسابقها وتسابقه، وكان يخدم أهله في بيته ويعاونهم، ولا يغلظ لهم قولا، ويروي لهم القصص ويقول لعائشة: كنت لك كأبي زرع لأم زرع بعد قصة طويلة حكاها لها عن أحد عشر زوجًا وزوجة! وهو الذي انحنى لزوجته صفية لتصعد على ركبته فتركب على حصانها، فأين هذا من ذاك؟!

الإباحيات والنفور من شريك الحياة


 

الإنسان غارق في بحر دائم من المقارنات، ومدمن الإباحيات حتمًا سيلجأ إلى المقارنة بين ما يشاهده وبين شريك حياته والذي سيؤدي إلى السخط وعدم الرضا عنه في نهاية المطاف.

صناعة الإباحيات... أنت أيضًا مشارك!

هناك أمر آخر لا بد وأن تضعه في الاعتبار، وهو أنك مشارك بدور كبير جدًا في انتشار الإباحيات؛ فما دام هناك طلب فسيظل هناك عرض، ومادامت الرغبات قائمة فسيستمر المنتجون في عملهم، فانأ بنفسك عن وضع كهذا، وضع في اعتبارك أنك إن توقفت عن الطلب فأنت تسهم في الحد من هذه الصناعة الخبيثة. 

طريقك للتعافي من إدمان الإباحيات

سُأل النبي، صلى الله عليه وسلم، عن نظر الفجاءة فقال: لا تعد، وحُرم على المرأة خضوعها وتكسرها في القول، وحُرم عليها قرقعة صوت خُلخالها في طرقات المدينة، وقال صلى الله عليه وسلم: زنا العين النظر، وأُمرنا بغض النظر فقال تعالى: «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم؛ ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن».

ما كل هذه التوجيهات؟ ولما نزلت؟ إنها وسائل ستقود إلى الزنا، فكان لها نفس حكم المقصد، أي أن الوسائل لها نفس أحكام المقاصد، فإطلاق النظر محرم لأنه وسيلة قد توقع في الزنا، وصوت قرقعة خلخال في قدم امرأة تسير على الطريق يقود إلى فتنة الزنا فكان حرامًا على المرأة أن تضرب برجلها ليُعلم ما تخفي من زينتها.

لعلك فهمت أني أقصد أن الإباحيات ستقودك إلى الزنا، ولذلك فهي محرمة. لا هذا، وإن صح، ما لم أقصده، وما فات كان مقدمة لا بد منها حتى نوظف قاعدة الوسائل لها نفس أحكام المقاصد بصورة تربوية.

فالمقصد هنا هو الإباحيات، وما عليك سوى أن تحدد قائمة صارمة بكل ما يقودك إلى الإباحيات من وسائل والزم نفسك بتجنبها، وصانع نفسك وتحايل عليها، وراودها عن الوسيلة لا المقصد.درب نفسك شيئًا فشيئًا واعقد النية، وحدد هدفك البعيد، واستعمل لذلك كل الوسائل الممكنة، ولا تنس الصحبة الصالحة، واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أُغفل قلبه عن ذكر الله واتبع هواه، فكان أمره فرطا.

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع




المصدر
  1. الإسلام بين الشرق والغرب، على عزت بيجوفيتش، ص129
  2. خالد بهاء الدين، منشور بعنوان: الفتور كيف تعالج نفسك منه.

6
5
0
0
0
0
0

شارك المقال