بمجرد الاستيقاظ من النوم، يسعون لها بالبحث عن هواتفهم، ومن ثم فهم مشغولين بها عن أصدقائهم، فى جلسات النادى، منغمسين فيها أثناء قيادة سياراتهم، لايستطيعون مفارقتها فى أحلك الظروف -وان كانو فى المستشفى- تلازمهم فى المنزل أكثر من طعامهم، يغيبون عن دراستهم ولا يغيبون عنها، دخولهم أية مكان يتلهفوا على «باس ورد» شبكات الانترنت، ويلاحقوا مكابس الكهرباء، وياحبذا لو تحسسوا طريق المشتركات والوصلات الكهربائية، من أجل شحن هواتفهم.

المضمون السابق يشرح كيفية سيطرة وسائل الإعلام الجديد، بما فيه شبكات التواصل الاجتماعى، على عقول مجتمعنا وفئاته المختلفة، سواء كانت مستخدمة لأدواته، أو تراقبه من بعيد، تابعة له، أو متحررة من ارائه، فالمصريين قديما حتى ظهور شبكات الانترنت محلياً، كانوا مستغرقين فى أدوات الإعلام بشكلها التقليدى، محدودين فى وسائل الرأى والتعبير، مقيدين فى نقل المعلومات فور وقوعها.

إحدى الدراسات كشفت أن 40% من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعى، فشلوا فى التوقف عن استخدامها، فتلك الدراسة قبل اجرائها كانت ظاهرة، أوحتى مجموعة ملاحظات متفرقة متكررة، لكنها فى الوقت نفسه غير مقننة، حيث يسمح أسلوب اختيارها بتعميمها بدرجة كبيرة، مع اختلاف النتيجة الصحيحة لها بنسبة 5% زيادة أو نقصان، لكى تكون أقرب إلى الواقع، حتى جاء دور البحث العلمى ليحولها لحقيقة.

أحد المحللين النفسيين، فسر مظاهر تأثير وسائل الإعلام الجديد، على تفكير وتصرفات البشر عالميا، بأن من اخترع تطبيقات الشبكة العنكبوتية المختلفة، أراد الشرك لأهل الكرة الأرضية، من خلال اقناعهم بالاعتقاد بأن هناك إله اخر، وجب له السلطان عليهم.

ودلل على ذلك أن التعامل مع الأجهزة، يكون ملئ بالصمت والعمق والتفرغ كصفات أساسية لاغنى عنها فى لحظات التعبد، التى تمتاز بدقة التركيز والحرص الشديد، على اعتبار أن وسائل الإعلام الجديدة، تتمتع بعلاقة العبادة الطبيعية بشقيها الخير والشر.

البعض الآخر صور الإعلام الجديد بـ«الشيطان»، الذى يعتمد فى إغراءاته السهلة على خلط الثقافات وتبسيط الأشياء، من جهة وازالة الحدود الجغرافية وزيادة قرب العالم من جهة، لكى يأخذنا فى الطريق الذى يخدم اغراضه، السياسية والاقتصادية والتجارية والاجتماعية.

ما أعظم أن تكون الغائب الحاضر على أن تكون الحاضر الغائب، كلمات وثيقة التعبير عن الكثير والكثير، الذين صار اجتماعهم يظهر فى صورة، «حاضرون ولا حاضرون»، فهم حاضرون جسديا، ومنفصلون روحياً، وغائبون نفسياً.

عندما يشترى الطفل لعبة جديدة، يظل يلهو بها فترة إلى أن تصيبه بالملل، فيتركها من أجل الحصول على أخرى، ذلك هو المتعارف عليه عند ظهور أية وسيلة خدمية جديدة، داخل مجتمعنا المصرى، حيث تمرض مستخدميها بالهوس والاستغراق التام فيها، لكن الكارثة الحقيقية، أنه يجرى تشكيل الانطباعات والأفكار خلال فترة الهوس هذه.

فالحقيقة عندما تدخل أى منزل أو حتى بيت صغير فى مصر، ايا كان مستواه التعليمى والثقافى والاجتماعى، ستجد الأم شغوفه بالتعرف بما يدور على وسائل الإعلام الجديد، ومهتمة بها بدرجة كبير دون مبالغه، حتى وإن فقدت نصيبها من التعليم .

إحكام شبكات التواصل الاجتماعى سيطرتها، على حياة المصريين، لأكثر من 10 سنوات متواصلة واستكمالها، يرجع لارتفاع حالة الفراغ الاجتماعى والثقافى الذى يعيش فيه المجتمع المصرى، بجانب استمرار التقليدية والنمطية التى تتعامل وسائل الإعلام الحالية بها مع جماهيرها بدرجة متزايدة جدا، فضلا عن افتقاد دور المؤسسات الدينية والتعليمية، وبعد وسائل التثقيف، والبيت والتى انعدم تأثيرها، فى حياتنا.

فكرياُ لجوء الأفراد لشبكات التواصل، للتعبير من خلالها على أفكارهم ومشاعرهم، يرجع بسبب حب الفرد لسماع صوته فقط، خاصة عندما يكون لديه عدد من المتابعين، فتطوله حالة قوية من التقمص والاستغراق، التى جعلت منا -المصريين- رافضين اراء الآخرين، كارهين سماع أصواتهم.

 أما سلوكياُ، فباتت تصرفات الأفراد على شبكات التواصل، هى نفس تصرفاتهم فى الحياة العادية، من خلال انتقال سلوكه الافتراضى على الانترنت، الى تطبيقه لسلوك الواقعى، والعكس صحيح فمثلا عندما يحاول أحد السائقين التعدى فى سيره على نظيره فى الطريق و«الكسر عليه»، عندما يعاتبه أو يوجه اللوم له، يقوم بسبه تلقائياُ دون تفكير مسبق، كذلك الأمر فى شبكات التواصل الاجتماعى، نتيجة حالة الفراغ التامة التى أصابت عقولنا

تلك السلوكيات يظهر تأثيرها النفسي السلبي، عند القاء النظرعلى أفراد المجتمعات الأخرى، الذين اعتادوا على متابعة الإعلام الجديد، بالمواصلات أو عمليات التسوق، لكنه يطرحها من عقله قبل يده، بمجرد بداية العمل أو دخول الجامعة، بارادته أو غصباُعنه، من أجل التفرغ للعمل والدراسة.

لذلك لا يخوننا التعبير، اذا اعتبرنا أن الدولة صارت الضحية الأكبر، لتلك الظاهرة التى يعانى منها المواطن أيضا، ولكن من جانبه السلبى،فى ظل اهدار هذا الكم من الساعات، فى متابعة تلك الشبكات، بما يقضى على محاولة تحقيق أية تنمية فى معدلات الانتاجية، ودون استثمار لوقته فى جدوى شخصية على الأقل.

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع




1
0
0
0
0
0
0

شارك المقال