دائمًا يقال لي بأني زائدة النشاط، أُفكر في هذا وذاك، أحاول في الشئ وعكسه، أفكاري كثيرة ومشوشة، أستطيع التحدث في موضوع وبعدها ببرهة أكون في موضوع أخر ..

كان يُحكى لي قديمًا بأنه في إحدى الحُقب الزمنية (القرن الرابع عشر) اجتاح أوروبا داء الطاعون، وتسبب في مقتل ما لا يقل عن ثلث سكان القارة.. فأطلقوا عليه «الموت الأسود».. إننى على يقين بأن وباء هذه الأمة هو الاكتئاب، وأستطيع بكل الثقة ان أطلق عليه أيضًا «الموت الأسود»..

كل ما يتواجد حولنا يُهيئنا لهذا الأمر ويقدمه لنا على طبقِ من ذهب.. الُظلم يحيط بنا.. انُتزعت منا الحرية.. فقدنا كل ما نحبه.. أصبحت الحياة أشد قسوةً علينا وكل ما نرجوه الثبات حتى الممات، فكأن حياتنا العدم وخطواتنا ثابتة.. وكأننا نحيا لنموت ! ..

في مقابل من قتله الطاعون، قتل الاكتئاب العديد من الأشخاص أيضًا ولا أجد نفسي سوى أنني أتعاطف معهم كثيرًا.. لربما ضاقت

عليهم الدنيا وتقطعت بهم الأسباب.. أعلم بأن هذا الفعل كبيرة من الكبائر في شريعتنا ولكن شعوري ليس بيدي وعلى كل حال الله أرحم بهم منا، الله أرحم بنا من فتنتهم وأن نُفتن بهم ..

أُشُفق كثيرًا على جيلنا ومن يأتي بعدنا، فإنك إن كنت من هذا الجيل ستعلم بأن دينك هو أسهل ما يتكلم فيه الناس، فلا تدري نفسك أي ما يُقال هو الدين كما أُنزل؟!.. وكأن لجام ألسنتهم الذي وضعته القيود من حولهم لم ينفك إلا على الدين!.. إن كنت من هذا الجيل فإنك إن لم تسعى لمعرفة دينك الحق الذي أنزله الله فإنك ضائع.. كان من قبلنا يُتاح لهم حضور دروس علمِ أو حتى ما يُعرض في الشاشة من برامج فكان الوصول للممعلومة أسهل ولكن سلامٌ على الدنيا فلا شئ يدوم..

وبكل ما نمر به من هذا وذاك فإن الاكتئاب هو النتيجة الطبيعية.. وكل ما يكون بعد ذلك إنما هو انسحاب من الدنيا.. فكل ما تجده من نفسك هو أعراض انسحاب...

دائمًا ما يدور في بالي بأننا نعلق في دائرة التضاد.. على المستوى الدُنيوي نفشل فنعلم معنى النجاح، ويتفرق جمعنا فنعرف معنى الحُب، نفقد فنعرف معنى الاكتساب، نمرض فنعلم معنى الصحة، يموت من نحُبه فنعرف معنى حياته، نُضغط فنعلم معنى الراحة ..

على المستوى الديني.. نتقرب إلى الله عندما يقع البلاء، فلما نُبتلى نتفهمَ ما كُنا فيه من نعمة، ونظل نتضرع إلى الله حتى يزول البلاء فما يكون منا إلا أن نحمد الله على لُطفِه بنا.. حتى يزول البلاء فننسى أو تشغلنا دُنيانا.. فيأتي بلاءٌ آخر فما يكون منا إلا أن نُعيد نفس الدائرة ..

وكأن الأقدار أبت إلا أن تُفهمنا صفات المولى كُلها، الصفة وما يقابلها.. فتعلم أنه شديد العقاب حتى تأتي رحمته فتزول الشدة.. وتعلم انه القوي القادر على كل شئ فتعلم ضعفك امام المولى الذي لا يعچزه شئ فيأتيك لُطفه ..

وكأن حالنا دائمًا أننا ‏نُبتَلى لعلّنا من الذنوب نفيق، ونفيق حتى ننسى ونغفل، فنُبتَلى لعلّنا من الذنوب نفيق ..

فيتضح لنا أنه لولا التضاد ما علمنا المرادف ..

ما دخل هذا بذاك، حسنًا فلنرجع إلى أول المقال، أفكاري كثيرة ومشوشة، أستطيع التحدث في موضوع وبعدها ببرهة أكون في موضوع أخر.

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع
 




1
1
0
0
0
0
0

شارك المقال