يستيقظ مبكرًا على غير عاداته، حين يُخالف نواميس يومه التي تلازم ملامح وجهه الناقم على مسارات الحياة، الشاب الثلاثيني العاطل عن العمل الذي ما زال يتنقل بين دواليب العمل الوظيفي ولم يجد فرصة تناسب مؤهلاته وطموحاته، مستلقيًا على ظهره ومحدقًا بنقطة ارتكاز في أعلى الحجرة تدور حولها جملة من أفكاره التي تنساب في عقله تترى

تفكير عميق في مستقبل لا يزال غامضَا، ومآلات واقع متشابك بكل ما يحمله من تعقيدات اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية.. تلك ربما قصة مشتركة بين أغلب شباب الجيل الحالي حين تخرجوا من الجامعة معبئين بآمالاً وطموحات متعددة قتلها الواقع الذي يأبى أن يمر دون مأثرات في تحول شخصيات البعض إلى أقصى يمين السلبية التي تصنعها فرص غائبة.

الواقع السابق يتسق مع مؤشرات وإحصاءات حكومية بوجود نحو 3.496 مليون شخص عاطل حتى الربع الثانى من العام الجارى (شهر يونيو الماضى) بنسبة 11.98% من إجمالى قوة العمل، يستحوذ أصحاب المؤهلات العليا وحملة الشهادات المتوسطة وفوق المتوسطة على 92.8% منها، موزعة بين 52.3 % للحاصلين على المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة، و40.5٪ بين حملة المؤهلات الجامعية وما فوقها.

عادة ما يؤكد الخبراء والمحللين فى كافة المؤتمرات والفعاليات أن ثمة فجوة بين النظام التعليمي واحتياجات سوق العمل سواء فيما يتعلق بالمناهج والمقررات الدراسية والقدرات الفعلية للخريجين، خاصةً أن أي خريج طموح يتجه لتنمية قدراته ومهاراته التي تناسب متطلبات العمل  من جديد بدلاً من الاندماج السريع فى أية مهنة أو وظيفة حقيقية لسد احتياجاته، أي أنه يبدأ من جديد استكمال دورة الاعتماد على الأبوين بدلاً من أن يدر عائدًا سنويًا، ويكفي أن أذكر هنا مثالاً أن كليات التجارة التى تعج بالآلاف من الطلبة سنوياً ما زالت تدرس نظام المحاسبة الورقية بينما ما يفعله المحاسب فعلياً هو استخدام الحواسيب الإلكترونية!!!.

المشكلة مركبة ومعقدة ولا تحتاج شعارات رنانة ولا تسويق أو استغلال، فقط بحاجة إلى خطط حكومية تستهدف تطوير سوق العمل فعلياً مع الاهتمام بالتعليم الفني وتغيير ثقافة المواطنين تجاهه والتأكيد بأن النهضة الحقيقة تنبع من تخريج أجيال من الفنيين لخلق مجتمع صناعي متكامل؛ فمثلاً فى ألمانيا يحتل التعليم الفني جزءًا أساسياً من النظام التعليمي ويلعب دوراً كبيراً في رقي الاقتصاد وتقدمه وتمثل المهن الفنية ثلاثة أرباع المهن المتاحة في سوق العمل هناك ويحصل الدارسون للحرف المهنية على شهادة في نهاية الدراسة تثبت أهليته للعمل وافتتاح نشاط خاص به كما تلتزم الشركات الصناعية بتدريب الطلبة لتشجعيهم.

بينما فى مصر؛ تعوق الأفكار الاجتماعية والمعتقدات الموروثة الخاطئة أي مضى في التعليم الفني قدماً فغالبية الأسر تجبر ابنها على حل العمل في وظيفتين فقط (مهندس أو طبيب)، يزيد على ذلك  عدم وجود تشريعات فعلية تؤكد أهمية توزيع الأدوار بين الشركات الصناعية وبين الدولة للقيام بتدريب الشباب وتشغيلهم .

تكمن أبرز مخاطر التعطل عن العمل في استقطاب الجماعات المتطرفة عبر اللعب على وتيرة الدين والظروف السياسية والاقتصادية وجذب الشباب لتنفيذ أفكار غير مسبوقة وتحمل الكثير من المخاطر وهذا ما يحدث تقريباً مع استقطاب داعش للشباب من دول المغرب العربي وأفريقيا.

هنا أستحضر قصة واقعية صادفتني، بينما كنت أسير باتجاه بيتي استوقفني أحد جيراني الذي قد تعرفت عليه من خلال رحلة عودتي للمنزل، وطلب مني أن أحاول التوسط لابنه في وظيفة تناسب مؤهلاته كخريج لكلية التجارة، فذكرت له أن الأوضاع صعبة لكنني سأحاول في النهاية، وفي يوم آخر استوقفني سؤال الأب مرة أخرى عن عدم عمل الشاب ونظرت فوجدت شابًا يفوقني بعام واحد فكان رده الذي وجهه لوالده صادمًا، عندما سأله مستغربًا لماذا لا توفر لي عملا بالجهاز الحكومي الذي تعمل به؟؛ فما كان مني إلا أن انسحبت من الحوار بهدوء لأني علمت أن هذا شاب بلا طموح!!!

وفي النهاية فإن التطور التكنولوجي حالياً فتح أبوابًا للنجاح لا حصر لها، لا تترك للشباب أي حجة للاستكانة إلى عالم مواز من اللامبالاة، فقد تعددت أبواب الرزق حديثًا عبر حلول غير تقليدية من بينها التسويق الإلكتروني للكثير من المنتجات، أو استغلال انتشار السوشيال ميديا للتربح من خلال إنشاء صفحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، علاوة على الانضمام لفرق القيادة من خلال "أوبر وكريم" وغيرها من الحلول البدائية التى يمكن أن تدر ربحاً شهرياً جيداً، ليتحول الوجه العابث بالإرادة والمثابرة إلى مستقبل ضاحك.

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية




3
1
0
0
0
0
0