في عام 1919 ألقت سلطات الاحتلال الإنجليزي القبض على سعد زغلول ورفاقه، بعد أن جمعوا توقيعات من الشعب لتمثيله في مؤتمر الصلح بباريس والمطالبة باستقلال مصر.

اندلعت ثورة تهز أرجاء مدن وقرى مصر تطالب برحيل المستعمر والإفراج عن «سعد» ورفاقه. وبينما كان المصريون يسطرون أسمى أنواع البطولة في كل رقعة من أرض مصر، كان أهالي مدينتي زفتى وميت غمر يخوضون تجربة كفاح فريدة من نوعها، فأعلنوا استقلالهما ورفضهما لسلطة الاحتلال عليهم.القصة كاملة رواها الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين في كتابه «أيام لها تاريخ».

يوسف وعوض

زفتى وميت غمر قريتان متقابلتان، يفصلهما النيل ويربطهما كوبري عتيق، وفي كل منهما مكتب محاماة لشقيقين شابين. يوسف الجندي في ميت غمر وعوض الجندي في زفتى.

كلاهما من شباب سعد زغلول، وكلاهما له سابقة حماس حوسب عليها. في العام 1913 دخل عوض الجندي قاعة الجمعية التشريعية وصفق لـ«سعد»، وتضارب مع عضو مؤيدي الحكومة لأنه كان يقاطع «سعد» بكثرة، وقبضوا عليه، ووجهوا إليه تهمة تعليق منشورات على أسوار البرلمان.

و«يوسف» الأصغر فصلوه في العام 1914من كلية الحقوق، لأنه حرّض الطلبة على الإضراب احتجاجاً على إعلان الحماية الإنجليزية عقب اندلاع الحرب العالمية الأولى.

ومنذ بدأت حركة الوفد والاثنان يترددان بين القاهرة والريف. لمع «يوسف» بالذات في جلسات ثائرة في محلات «جروبي» الذي كان من منتديات الثورة، ومجادلات في حديقة بيت الأمة، وفي خطب عنيفة على منبر الأزهر الذي كان قاعدة الثورة.

إعلان الاستقلال

انفجرت ثورة 1919 ويوسف الجندي في قريته زفتى. واتجهت إليه أنظار القرويين ينتظرون منه أن يصنع شيئاً، ولكن هنا في جوف الريف لا يوجد إنجليز يقاتلهم الفلاحون، والسكك الحديدية قد قطعها أهالي القرى المجاورة فعلاً، ومع ذلك فلا بد من عمل شيء خطير ينطوي على معنى الثورة.

قرر «يوسف» أن تعلن زفتى وميت غمر استقلالهما، وأن ترفضا الخضوع لأيه سلطة أخرى. ثم ليأت الإنجليز.

أعلن الثائر الصغير عن تشكيل لجنة للثورة من بعض الأعيان، والأفندية المتعلمين، والتجار الصغار، منهم عوض الكفراوي، والشيخ مصطفى عمايم، وإبراهيم خيرالدين، وآدمون بردا، ومحمد السيد، ومحمود حسن. واتخذت الثورة مقراً لها بقاعة واسعة في الدور الثاني من مقهى يملكه يوناني عجوز اسمه «مستوكلي».

مركز السلطة

اجتمعت لجنة الثورة وقررت أن تبدأ بوضع يدها على السلطة الفعلية بالاستيلاء على مركز البوليس. وزحف «يوسف» إلى المركز على رأس مظاهرة ضخمة ضمت كل الرجال، وجيوش الصبية الصغار. القليلون منهم حملوا بنادقهم القديمة وتسلح الآخرون بالعصي وفروع الأشجار والفؤوس.

وشاءت الأقدار أن تُجنّب الدولة الجديدة إراقة الدماء، إذ كان مأمور المركز رجلاً وطنياً اسمه إسماعيل حمد، ومعه معاون بوليس اسمه أحمد جمعة. وخرج المأمور إلى المظاهرة، وسلّم «يوسف» المركز والسلاح وقيادة الجنود والخفراء، ثم عرض خدماته عليه كمستشار للدولة الجديدة بوصفه خبيراً بأحوال الإدارة فيها.

بعد ذلك اتجهت المظاهرة إلى محطة السكة الحديدية، والتلغراف فسيطرت على التلغرافات فوراً، واستولت على عربات السكة الحديد التي كانت مشحونة بالقمح، وتنتظر إرسالها إلى السلطات الإنجليزية.

خزانة الدولة الجديدة

وبات على الدولة الجديدة أن تواجه مشاكلها الداخلية. فجمع «يوسف» الأعيان ودعاهم إلى التبرع ليصبح للدولة خزانة. وكانت هناك حركة تبرعات أخرى جارية لتمويل الوفد، وكان يجيء إلى زفتى كل أسبوع مهندس من طنطا اسمه عتمان محرم لأخذ هذه التبرعات.

تبرع الأعيان للدولة الجديدة.. كان قصد يوسف الجندي من ذلك أن يوجد عملاً للأيدي التي تعطلت لظروف الثورة، فلا تتحول إلى السرقة أو النهب، فاستخدم الأموال المتجمعة ليوجههم إلى بعض الأعمال المفيدة.

ردم الثوار البرك والمستنقعات التي تحيط بالقرية، والتي يأس الأهالي من مطالبة الحكومة بردمها منذ عشرات السنين.

ردموا أيضاً الشوارع التي كانت تنشع بالماء إذا كان الفيضان، وأصلحوا الجسور القريبة، وأقاموا كشكاً خشبياً على ضفة النيل لتعزف فيه الموسيقى.

ثم جندت الثورة كل التلاميذ والمتعلمين الموجودين في القرية وقسمتهم إلى فرق. واحدة تقوم بدوريات مستمرة لحفظ الأمن، وثانية تراقب الحدود لتمنع تسرب مواد التموين أو دخول الجواسيس، وثالثة تشرف على عمليات الري وتزويد الأرض بالماء.

وظهر في قلب زفتى مطبعة صغيرة يملكها محمد أفندي عجينة أخذت تطبع قرارات لجنة الثورة وتعليماتها وأخبارها وتوزعها على الناس.

وطارت الأنباء إلى القاهرة، وعبرت البحار إلى لندن، ونشرت «التايمز» في صدرها أن قرية زفتى أعلنت استقلالها، ورفعت على مبنى المركز علماً جديداً.

وأُعلن في القاهرة أن فرقة كبيرة من الجنود الأستراليين سوف تذهب إلى زفتى لتخضع القرية الثائرة، وأدرك رجال الوفد مدى الخطر الذي يتعرض له «يوسف»، فأرسلوا له الرسل والرسائل لكي يعود إلى القاهرة.

وسافر إلى زفتى أخوه عوض الجندي - كان في القاهرة - ولما كانت المواصلات مقطوعة والتنقل داخل القطار ممنوعاً إلا لمن تمنحه السلطات الإنجليزية جواز سفر، فقد ركب عربة كارو إلى قليوب، ثم مركباً نيلياً إلى بنها، ثم عربة حنطور إلى زفتى.

وصل «عوض» إلى زفتى ليجد قاعة الثورة في مقهى «مستوكلي» يسبح في جوها دخان السجائر، ويرى أخاه الصغير قد زاد نحولاً، واستطالت لحيته، والأوامر تصدر من الغرفة متتابعة.

رأى أيضاً الفلاحين يستعدون للقاء الإنجليز. كانوا يحفرون حول دولتهم الخنادق، وينقلون إليها البنادق القليلة والذخيرة العتيقة التي لم تستعمل منذ زمن بعيد.

استمالة الأستراليين

كان الإنجليز قد أذعنوا لثورة مصر، فأطلقوا سراح «سعد» ورفاقه، وسمحوا لهم بالسفر إلى أوروبا للمطالبة بالاستقلال، ولكن لجنة الثورة ظلّت في زفتى قائمة.

وأشرق الصبح على مدافع الأستراليين منصوبة، وفوهاتها مسددة إلى بيوت القرية، وقد احتلوا فعلاً محلج «رينهات» ومدرسة «كشك» الواقعين عند أطراف القرية.

كانت لجنة الثورة قد عرفت أن الفرقة الآتية أسترالية، فأعدت منشورات بالإنجليزية تقول لهم: إنكم مثلنا ونحن نثور على الإنجليز لا عليكم، والإنجليز الذين يستخدمونكم في استعبادنا يجب أن يكونوا خصومكم أيضاً!. وأرسلت المنشورات إلى الأستراليين، وقررت الفرقة ألا تدخل القرية، وأن تبقى معسكرة بجوارها.

تسليم الخونة

طلب الأستراليون تسليم 20 رجلاً من أهالي زفتى لجلدهم عقاباً على العصيان. وانعقدت اللجنة لتواجه المأزق: أن تسلّم 20 رجلاً من أبنائها، أو أن ترفض وتقاوم، فتهلك القرية كلها تحت مدافع الإنجليز.

بعدما باتت القرية تحت رحمة المدافع الإنجليزية، استيقظ الخونة الذين خافوا مغبة دخول الإنجليز فأرادوا أن يتنصلوا من الآن، ومعهم الذين يريدون الكيد لمن تصدوا لقيادة الحركة. أخذ هؤلاء وهؤلاء يرسلون خطابات إلى السلطات في مصر يبلغون عن أسماء الزعماء، وكل من حمل معولاً أو ألقى خطاباً أو طبع بياناً أو ألهب السخط في صدور الفلاحين.

وكان مأمور المركز إسماعيل حمد بخبرته الإدارية يعرف ما سيحدث، فكان ينفرد بالخطابات البريدية كل ليلة في حجرة مغلقة، يفضها واحداً واحداً، ويتخلص من كل رسالة تنطوي على وشاية أو كيد.

وعلم الإنجليز أن الفرقة الأسترالية عند حدود زفتى لم تدخلها، وكانت المحاكمات قد بدأت تدور في شتى أنحاء القطر لعقاب الثائرين، فأرسلوا إليها تعليمات جديدة.

وطلب الأستراليون تسليم 20 رجلاً من أهالي زفتى لجلدهم عقاباً على العصيان. وانعقدت اللجنة لتواجه المأزق: أن تسلّم 20 رجلاً من أبنائها، أو أن ترفض وتقاوم، فتهلك القرية كلها تحت مدافع الإنجليز.

وبعد بحث طويل أخذت اللجنة باقتراح إسماعيل حمد، وسلمت القرية 20 رجلاً اختارتهم من الذين يرسلون خطابات الوشاية والخيانة إلى سلطات الاحتلال. وجلد الإنجليز عملاءهم.

وتلقت الفرقة من القاهرة أوامر أخرى تطلب – هذه المرة – تسليم يوسف الجندي. فقال أعضاء اللجنة لـ«يوسف»: اذهب إلى مكان ولا تخبرنا به!.

وتحت جنح الليل تسلل الثائر إلى قرية «دماص» المجاورة، وقبض الإنجليز على بعض الأعضاء، واحتجزوا عوض الجندي رهينة حتى يقول لهم أين «يوسف»، ولم يطلقوا سراحه إلا بعد أن تأكدوا من أنه حقاً لا يعرف مكان أخيه. فانسحب الأستراليون عائدين.

أما يوسف الجندي فقد ظهر بعد 15 يوماً من فراره في القاهرة يخطب في «جروبي» ويحرّض على استمرار النضال. وأما قهوة «مستوكلي» فاندثرت مع الزمن، وقامت محلها بعض المحلات التجارية.

وكشك الموسيقى ما يزال هناك قائماً في مكانه القديم. وحدث ذات مرة أن فكرّت الحكومة في هدمه لغرض من أغراض التنظيم فاحتج أهالي زفتى بشدة، وطلبوا الاحتفاظ بهذا الأثر الخالد من آثار ثورتهم.




المصدر

كتاب «أيام لها تاريخ». أحمد بهاء الدين.

7
8
0
-2
4
0
3