كثيراً ما يثار الجدل حول قضية إباحة أو تحريم سماع الموسيقى والغناء، ويرتكز كل فريق إلى مجموعة من الأسانيد الشرعية ليبرهن على موقفه.. ولكن هل استمع المسلمون فعلاً في عهد الرسول محمد (ﷺ) إليهما؟.

بحسب ما ذكره الدكتور شوقي ضيف، أستاذ الأدب العربي، في كتابه «الشعر والغناء في المدينة ومكة.. لعصر بني أمية» فإن الغناء ظل بالمدينة في عصر الرسول والخلفاء الراشدين، ولم يكن أهلها يسرفون فيه، إلا أنهم كانوا يأخذون منه نصيبا.

الزواج

وعرف الغناء طريقه إلى المسلمين في عهد الرسول في مناسبات عدة منها الزفاف، فقد روُى عن الرسول (ﷺ) أنه سأل السيدة عائشة في زواج بعض الأنصار: «هل أهديتم الفتاة إلى بعلها؟». قالت: «نعم»، قال: «أفبعثتم معها من يُغنى؟»، قالت: «لا»، قال: «أو ما علمت أن الأنصار قوم يُعجبهم الغزل».

وتكرر هذا الحث على الغناء في مناسبات أخرى، فقد دخل الرسول أثناء زواج بنت أبي لهب فقال: «هل من لهو؟».

البيوت


 

كما عرف الغناء طريقه إلى البيوت، ومنها بيت الرسول خاصة في أيام العيد، وهناك حديثان يرويان عن السيدة عائشة، وهما يدلان عن عدم كراهية النبي للغناء. أما الأول ففيه أن أبا بكر دخل عليها في أيام منى، وعندها جاريتان تدففان (أي تضربان الدف) والنبي متغش بثوبه، فانهرهما أبو بكر رضي الله عنه، فكشف النبي عن وجهه وقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد».

أما الحديث الثاني فتروى فيه السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان بغناء بُعاث (حصن للأوس دارت عنده وقعة حربية انتصرت فيها الأوس على الخزرج)، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، فدخل أبو بكر فنهرهما، وقال: «مزمار الشيطان عند رسول الله؟»، فأقبل عليه الرسول، وقال: «دعهما».

وبحسب ما ذكره الدكتور محمد عمارة في كتابه «الغناء والموسيقى.. حلال.. أم حرام؟» فقد أقر الرسول الغناء في بيت النبوة من فتاتين، يسمعهما رجال، وتغنيان بأشعار تتحدث عن ذكريات ووقائع حرب في التاريخ الجاهلي، وعندما اعترض أبو بكر مجتهداً في المنع اعترض الرسول على هذا الاجتهاد مؤكداً الإباحة.

وفي رواية أخرى جاءت امرأة لعائشة فقال الرسول لعائشة: «يا عائشة، أتعرفين هذه؟» فقالت: «لا يا نبي الله». قال «قينة بني فلان، تحبين تغنيك؟» فغّنتها.

كانت هذه القينة هى الجارية المغنية التي احترفت الغناء لبني فلان – أي للرجال والنساء – يعرض الرسول على عائشة أن تسمع غناءها، فتغني لها في حضرة الرسول.

العيد

وروت السيدة عائشة أحداث واقعة ثانية مشابهة جرت في يوم عيد، حيث كان السودان (أهل الحبشة) يلعبون بالدرق (شيء يشبه الترس) والحراب في المسجد، فسألها الرسول: «تشتهين تنظرين؟»، فقلت: نعم، فأقامها وراءه، وسترها بثوبه، وهي تنظر إلى الحبشة يلعبون –أي يرقصون– فزجرهم عمر، فقال النبي: «أمناً (أي لكم الأمان) بني أرفدة (أشهر أجداد الحبشة).. دونكم بني أرفدة» حتى إذا ملت فقال لها «حسبك»؟ قالت «نعم». قال «فاذهبي».

وفي روايات أخرى كان الحبشة يزنفون –أي يرقصون  وفي بعضها: «يرقصون بين يدي رسول الله يقولون: محمد عبد صالح».

الغناء في الطرقات

كما كانت الجواري يغنين، فقد روى ابن عبد ربه أن الرسول مَرًّ بجارية وهي تغني:

هل علي ويْحكم، إن لهوت من حرج.

فقال الرسول «لا حرج إن شاء الله».

وكان النبي قد مر يوماً ببعض المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن:

نحن جار من بني النجار  ..  يا حبذا محمد من جار

فقال النبي: «الله يعلم إني لأحبكن».

في دراسته «الغناء والموسيقى.. نظرات ومراجعات» ذكر الدكتور صلاح صالح الراشد أن الرسول بهذه الكلمات كان يشجع المغنيات على الغناء، فكونه يقول لهن هذا الكلام الجميل ويشهد الله على ذلك، فإن ذلك دلالة على قبول هذا العمل من الغناء له. 




المصدر

*كتاب «الشعر والغناء في المدينة ومكة لعصر بني أمية».الدكتور شوقي ضيف  *«الغناء والموسيقى. حلال.. أم حرام؟». الدكتور محمد عمارة   *دراسة «الغناء والموسيقى. نظرات ومراجعات». الدكتور صلاح صالح الراشد

0
0
0
0
0
0
1