لم يكن غريباً أن يكلف الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الصحفي محمد حسنين هيكل بكتابة بيان التنحي بعد ساعات قليلة من هزيمة يونيو 1967، فالأخير لعب دوراً جذرياً في تشكيل توجهات السياسة المصرية وإيديولوجيتها في الخمسينيات والستينيات وأوائل السبعينيات  من القرن الماضي.

فمن ناحية كتب معظم خطب عبدالناصر طوال فترة توليه الحكم ومعظم خطب السادات في الفترة من 1970 حتى 1974.

كما ينسب إليه كتابة بعض أهم الوثائق التي حملت توقيع عبدالناصر، وساهمت بشكل دوري في تأسيس مجموعة من القيم والمبادئ والأفكار والمفاهيم التي تبناها نظام عبد الناصر ودافع عنها، ومن أهم هذه الوثاق كتاب «فلسفة الثورة».

هيكل شريك أساسي في الحكم

بالتالي لم يكن هيكل وقت كتابة بيان التنحي مجرد كاتب خُطب، بل كان شريكاً أساسياً في الحكم. ذُكر أنه كان أحد أشخاص قلائل أٌتيح لهم لقاء عبدالناصر والجلوس معه في اليوم السابق على التنحي واليوم الذي تلاه.

كما ذٌكر أن عبدالناصر أعطاه تفويضاً كاملاً حين خلد إلى النوم بعد انتهائه من إلقاء البيان، وأن رجال الدولة جميعاً ابتداءً من رئيس مجلس الأمة وانتهاء بوزير الداخلية والإعلام لم تكن لديهم وسيلة للوصول إلى عبدالناصر نفسه – بعد أن ألقى البيان – إلا من خلال هيكل.

ومن يستمع إلى وصف هيكل للوقائع التي أعقبت بيان التنحي لا يساوره شك أنه كان الحاكم الفعلي في تلك السويعات العصيبة. وهكذا فإن الرجل عشية كتابة بيان التنحي لم يكن جزءاً من لسان السلطة ممثلة في رئيس الدولة فحسب، بل كان جزءاً من قلبها وعقلها ويدها أيضاً.

قصة البيان

يصف هيكل وقائع كتابة البيان قائلاً: «كان عبدالناصر قد طلب إلي أن أعد له مشروع خطابه إلى الأمة بالتنحي.. ولم يكن في مقدوره – إنسانياً – تلك الليلة مع أحزانه وشواغله أن يجلس ليكتب خطاباً، فاتفق معي على نقاطه، وتعهدت بأن أكتبه له».

ويذكر أنه قضى ساعات مع ناصر يتناقشان حول صياغة البيان، في وقت كان العالم من حولهما في حالة غليان حقيقي، وكانت مصر على حد الموسى -في إشارة لاشتعال الوضع- كما وصفها هيكل.

ويبرهن الانشغال لساعات كاملة في صياغة الخطاب في هذا الوقت العصيب على الأهمية التي كانا يوليانها لهذه الصياغة.

نقاط اختلاف

وعلى الرغم من اتفاق عبدالناصر وهيكل على نقاط البيان والتلاقي الواضح بين أفكارهما واختياراتهما، فقد نشأت الاختلافات بين ما سطّره هيكل وما أراد عبدالناصر.

نقل هيكل عن ناصر قوله: «أقر الرئيس ما كتبته حتى نقطة (إنني على استعداد لتحمل نصيبي من المسئولية)، عبد الناصر قال لي: لا، اكتب (أتحمل المسئولية كاملة)». وقد أعاد هيكل كتابة العبارة مبقياً على تعبير (إنني على استعداد)، ومضيفاً إليه (المسئولية كاملة) بدلاً من (نصيبي من المسئولية).

بعض هذه الاختلافات كان يتعلق بمسائل محورية مثل التعبير عن مدى مسئولية عبدالناصر عن النكسة. ذكر هيكل أن ناصر «أقر ما كتبته حتى نقطة (إنني على استعداد لتحمل نصيبي من المسئولية)، عبد الناصر قال لي: لا، اكتب (أتحمل المسئولية كاملة)».

وقد أعاد هيكل كتابة العبارة مبقياً على تعبير (إنني على استعداد)، ومضيفاً إليه (المسئولية كاملة) بدلاً من (نصيبي من المسئولية).

شمس بدران خلفا لعبدالناصر

كما اختلفا حول مسألة من سيخلف عبدالناصر بعد تنحيه. كان رأي ناصر أن يكتب هيكل اسم شمس بدران وزير الحربية في ذلك الوقت، لكن هيكل رفض: «أنا حاولت أكتب اسم شمس بدران ولم يطاوعني أي قلم».

وفي كتابه «حرب الثلاثين سنة. 1967الإنفجار» روى هيكل أنه سأل عبدالناصر عن أسباب اختياره لبدران، فقال له إنه يخشى حدوث احتكاك بين الجيش العائد من سيناء وبين الجماهير الغاضبة، فرد عليه هيكل بأن هذه النقطة تستوجب ألا يكون بدران هو الخيار، لأنه أحد المسئولين عما جرى، ولأن هذه المجموعة لم يعد لديها رصيد ثقة عند الناس، وما معنى أن يتم تعيين وزير الحربية وهو مسئول عن الهزيمة بحجة تجنب صدام بين الجيش والشعب؟ هذا يعني رخصة للقادة المهزومين بحق لهم فوق مشاعر الناس، وأخبر هيكل ناصر أن مصر ستقبل على صدام شرس إذا تولى شمس بدران رئاسة الجمهورية.

يحكي هيكل: «على الرغم من اقتناع عبد الناصر بوجهة نظري الرافضة لاختيار شمس بدران بديلا، إلا أنه أخبرني أنه اتفق بالفعل مع عبد الحكيم عامر على اختيار بدران، فرددت عليه بأن مصير البلد أكبر من قرارات الغرفة المغلقة.

يتابع هيكل: «على الرغم من اقتناع عبد الناصر بوجهة نظري، إلا أنه أخبرني أنه اتفق بالفعل مع عبد الحكيم عامر على اختيار شمس بدران، فرددت عليه بأن مصير البلد أكبر من قرارات الغرفة المغلقة. فسألني: إذا لم يكن شمس فمن؟ قلت له: الأقدم بين الأعضاء الباقين في مجلس قيادة الثورة. فقال: زكريا محيي الدين. أبديت ارتياحي وهو أيضًا قال: زكريا عاقل وذكي ومقبول دوليًا وقادر على الحوار مع الأمريكان».

وبالفعل اقتنع عبدالناصر بحجج هيكل لاختيار شمس بدران، واختار بدلاً منه زكريا محيي الدين، عضو مجلس قيادة الثورة، الذي شغل منصبي رئيس الوزراء ونائب رئيس الجمهورية. وبالمثل رفض عبدالناصر اختيار هيكل لتعبير النكسة ثم اقتنع بها في نهاية الأمر.

نكسة أم صدمة أم هزيمة؟

ويبدو من الأمثلة السابقة للاختلاف بين هيكل وعبد الناصر أن شطراً كبيراً من النقاش تعلق مباشرة باختيارات بلاغية، مثل الاختيار بين مفردتي (النكسة) و(الهزيمة). يقول هيكل في كتابه أن الرئيس الرحل سأله: لماذا اخترت تعبير نكسة؟ وأضاف أنه «مستريح مع الكلمة» لكنه يريد أن يكون واثقًا من سلامة اختيارها. رد هيكل عليه قائلًا: «توقفت كثيرًا قبل أن أستقر عليها، كان أمامي أن أختار بينها وبين (صدمة) ووجدتها أقل من اللازم، و(هزيمة) ووجدتها أسوأ من اللازم، ثم (نكسة) وقد أحسست مثلك بأني مستريح معها».

وبرر هيكل سبب ارتياحه للكلمة، التي ستصبح فيما بعد التوصيف الرسمي والشعبي والإعلامي والفني لما جرى في 5 يونيو، مخاطبًا عبد الناصر: «لو أنني استعملت كلمة هزيمة، فذلك سوف يكون خطرًا لعدة أسباب، فهي تعني الاستسلام كما فعلت ألمانيا وإيطاليا واليابان في الحرب العالمية الثانية.. كما أنها تؤثر على معنويات قوات ما تزال تشكيلاتها تقاتل في سيناء، وعلى ضفتي قناة السويس.. فكيف يتأتى أن نقول لهم (هزيمة) ثم نطلب منهم أن يقفوا ويعطوا أرواحهم فداءً للوطن وهم يعلمون أنه الوقت الضائع؟ إذا كنا لا نريد الاستسلام فلابد أن تترك مجالًا للرجل الذي سيأتي بعدك ليقدر الموقف ويحدد ما إذا كانت نكسة أو هزيمة أو كارثة».

كان هناك خلافا آخر حول الاختيار بين تركيب (على استعداد لتحمل)، و(أتحمل)، أو الاختيار بين (المسئولية) و(مسئولية)، وهي اختيارات أثرت في المحصلة النهائية للبيان.

وتشير هذه المرادفات إلى وجود اختلاف بين الكاتب والحاكم في نوع البلاغة التي يميل إلى استخدامها، ففي حين يبدو عبدالناصر أميل إلى إنتاج بلاغة مباشرة، تسمي الأشياء بأسمائها وتصف الأحداث بأوضح الطرق وأوجزها، يبدو هيكل أميل إلى استخدام بلاغة مراوغة، تكني وتُلطف، وتخفي أكثر مما تُصرح، وهي ما انحاز لها الكاتب والحاكم في نهاية المطاف.

وعقب إلقاء عبد الناصر لخطابه خرج المصريون في تظاهرات في كثير من محافظات مصر تطالب بعدوله عن قرار التنحي ومحو آثار النكسة.



المصدر

كتاب «الخطابة السياسية في العصر الحديث».الدكتور عماد عبداللطيف. كتاب الانفار لمحمد حسنين هيكل

0
0
0
0
0
1
1