لم يكن لمحمد علي باشا أن ينجح في تأسيس جيش نظامي لمصر دون إنشاء مدارس حربية لتدريب التلاميذ على أحدث وسائل القتال، وكيفية إدارة المعارك بما يتلائم مع مستجدات العصر آنذاك. «شبابيك» يستعرض أهم المدارس الحربية التي أنشأها الباشا.

 مدرسة أسوان

هي أول مدرسة حربية أنشأها محمد علي لتكوين الجيش المصري النظامي. كان بها 4 ثكنات فسيحة لإقامة الجنود، وتكون مدرسة لهم، وقد عني بأمر هذه المدرسة وتنظيمها وإمدادها بما تحتاجه من الأدوات والأسباب.

أسباب عديدة وقفت وراء اختيار محمد علي باشا لأسوان لتخريج الطائفة الأولى من ضباط الجيش. كان يريد تنفيذ مشروعه في بناء جيش مصري بعيداً عن الدسائس والأنظار معاً، ولكي يتم ذلك في سر دون أن يلتفت إليه الناس، فإذا نجح ينسب له، وإذا خفق لا يكون لإخفاقه رد فعل يزعزع مركزه.

اختار والي مصر أسوان أيضاً ولم يختر القاهرة لخشيته أن يكون تعليم التلاميذ على يد ضابط أوروبي مثاراً لهياج الخواطر فيها، خاصة بين الجنود غير النظاميين الذين كانوا ينفرون من كل نظام جديد، ثم يكون التلاميذ أيضاً بمنجاة من أسباب اللهو وبعيدين عن أماكنه فلا يفسد عليهم الأخلاق الحربية.

مدرسة قصر العيني

أُنشأت سنة 1825 مدرسة إعدادية للتعليم الحربي بقصر العيني، وكانت تُعرف بالمدرسة التجهيزية الحربية، وعدد طلابها 500 تلميذ كان يتم إعدادهم لدخول المدارس الحربية والمدرسة البحرية ثم للمدارس العليا. نُقلت المدرسة إلى منطقة أبي زعبل بعد أن خصص قصر العيني لمدرسة الطب. وكان بها مكتبة تحوي 15 ألف مجلد.

مدرسة المشاة بالخانكة

وجه محمد علي عنايته لتنظيم فرق المشاة في الجيش المصري، وأنشأ لتخريج ضباط هذه الفرقة مدرسة حربية في منطقة الخانكة على أحدث نظام. بلغ عدد تلاميذها 400 تلميذ تعلموا فيها التدريبات والإدارة الحربية واللغات العربية والتركية والفارسية.

نُقلت المدرسة إلى دمياط سنة 1834 وكان ناظرها ضابطاً من مقاطعة البيمونت بإيطاليا واسمه المسيو بولويني، وكان من ضباط الإمبراطورية النابليونية فاستخدمه محمد علي ورقاه إلى رتبة قائم مقام، ثم نقلت المدرسة إلى أبي زعبل سنة 1841.

مدرسة الفرسان بالجيزة

أُنشأت هذه المدرسة في قصر مراد بك فحُول إلى ثكنة جميلة للفرسان، وتولى تنظيمها المسيو فاران، من ضباط الإمبراطورية النابليونية، وكان تلاميذها من الشباب الذين يتعلمون مناورات الفرسان، وحركات المشاة، ويلبسون ملابس تطابق ملابس الفرسان الفرنسيين ما عدا القبعة.

كانت المدرسة تتبع نظام مدرسة سومور الحربية بفرنسا مع بعض التعديلات الطفيفة التي استلزمتها الظروف المحلية، وكان بها أساتذة لتعليم اللغة الفرنسية، والرسم، والمبارزة، وترويض الخيل، وفيها رئيس للإدارة الحربية.

طلاب المدرسة كانوا خليطاً من الشبان المصريين والأتراك الذين يتخرجون منها ضباطاً لفرق الفرسان. وتعلموا فيها النفير، وسائر ضروب الموسيقى المستعملة في فرق الفرسان.

أُنشأت في طرة مدرسة حربية للمدفعية تولى إدارتها ضابط إسباني يدعى الكولونيل الدون انطونيو دي سيجرا، الذي عرض على محمد علي إنشائها لتخريج ضباط المدفعية للجيش المصري، وعرض مشروعه أيضاً على إبراهيم باشا قائد الجيش العام فنال تأييده.

مدرسة المدفعية بطرة

أُنشأت في طرة مدرسة حربية للمدفعية تولى إدارتها ضابط إسباني يدعى الكولونيل الدون انطونيو دي سيجرا، الذي عرض على محمد علي إنشائها لتخريج ضباط المدفعية للجيش المصري، وعرض مشروعه أيضاً على إبراهيم باشا قائد الجيش العام فنال تأييده.

اختير لهذه المدرسة من التلاميذ 300 من خريجي مدرسة قصر العيني تلقوا فيها الدروس الحربية، واللغتين العربية والتركية، والحساب، والجبر، والهندسة، والميكانيكا، والرسم، والاستحكامات، وتدربوا على الرمي بالمدافع على يد معلمين حربيين.

لم يغب عن بال محمد علي باشا أهمية هذه المدرسة، فأراد أن يرى بنفسه سير التعليم فيها فزارها واختبر شئونها فأبدى ارتياحه وسروره من أساتذتها وتلاميذها ومعداتها، وكافأ الكولونيل سيجرا بالإنعام عليه برتبة «البكوية» مع لقب لواء، وألحق بالمدرسة أورطة (فرقة) للمدفعية المشاة، وأخرى للمدفعية الركبان، وأنشأ لها ميداناً لضرب النار للجنود والتلاميذ، وضع به 24 بطارية من المدافع للتمرين عليها. وكان للمدرسة مستشفى خاص يديره طبيب يساعده صيدلي لمعالجة المرضى.

قرر محمد علي تنظيم الجيش المصري على غرار الجيوش الأوروبية من كل وجه، فأمر بإعداد طائفة من الموسيقيين لكل ألاي «فيلق عسكري»، وأحضر من أوروبا ما يلزم الجيش من آلات الموسيقى، وكذلك أحضر المدرسين الأوروبيين لتعليم المصريين الموسيقى الإفرنجية الحربية

مدرسة الموسيقى العسكرية

قرر محمد علي تنظيم الجيش المصري على غرار الجيوش الأوروبية من كل وجه، فأمر بإعداد طائفة من الموسيقيين لكل ألاي «فيلق عسكري»، وأحضر من أوروبا ما يلزم الجيش من آلات الموسيقى، وكذلك أحضر المدرسين الأوروبيين لتعليم المصريين الموسيقى الإفرنجية الحربية، فأنشأ في الخانكة معهداً لتعليم الموسيقى يسع 130 تلميذاً تولى التدريس فيها 4 من الموسيقيين الفنيين، وعين المسيو كاريه مديراً له، وكانت تُدرس فيه أيضاً اللغة العربية على يد أساتذة مصريين.

هذه المدرسة كانت تخرج الموسيقيين الذين يحتاج إليهم الجيش المصري، ولكن الطبيب الفرنسي كلوت بك لاحظ في كتابه «لمحة عامة إلى مصر» أن برنامج المدرسة قام على قاعدة خاطئة، لأنه تضمن نقل الموسيقى الأوروبية إلى نغمة شرقية لم تتعود الألحان الأوروبية، فلم تؤثر في نفوس التلاميذ التأثير الفني المطلوب ولم تتحرك لها قلوبهم، موضحاً أنه كان من الأولى إحضار فنانين عارفين بالموسيقى العربية ليؤلفوا منها ومن الألحان الأوروبية موسيقى خاصة تتأثر لها نفوس المصريين.

ويقول إن الحكومة في عهد محمد علي ذاته قد ألغت معهد الموسيقى بالخانكة مع أنه خرّج عدداً لا بأس به من الموسيقيين القادرين، واستعاضوا عنه بأن جعلوا لكل فيلق من الجيش مٌعلماً أوروبياً، ولكن لم يكن من الميسور لمُعلم واحد أن يضطلع بهذه المهمة، ولذلك لم تصل الموسيقى الحربية في مصر آنذاك إلى مجاراة الموسيقى الأوروبية.

المعسكر البحري

أنشأ محمد علي باشا معسكراً لتعليم البحارة من الجنود الأعمال البحرية ليكونوا بحارة الأسطول وجنوده. وانتقاهم من كل المديريات وأعد لإقامتهم وتدريبهم الجهة الشمالية الشرقية من منطقة رأس التين بحيث تسع 10 آلاف شخص، وأعد لهم مركباً فوق البر بسواريها وقلوعها لتعليمهم استعمال الشراعات.

ولما تم تدريب البحارة، وُزعوا على السفن الحربية، فانتظمت طوائف الجنود والبحارة، وصار نظامهم يضارع النظامات البحرية بالأساطيل الأوروبية.

المدرسة البحرية

كما أنشأ محمد علي مدرسة بحرية لتخريج الضباط البحريين على ظهر إحدى السفن الحربية، ولما اتسع نطاقها قُسمت إلى فرقتين كل واحدة بسفينة، وكان يشرف عليها ناظر الحربية.

نبغ من هذه المدرسة كثير من الضباط البحريين الذين اشتهروا في الأعمال والحروب البحرية، ورفعوا علم مصر عالياً فوق ظهر البحار وتولوا الإدارات البحرية في مصر.

 




المصدر

كتاب «عصر محمد علي». عبدالرحمن الرافعي.

0
0
0
0
0
0
0