ما الذي حاد بنجيب محفوظ عن طريق الدراسات الفلسفية التي كان يحبها ويتجه به إلى بحور الرواية؟ ولماذا ترك الشعر رغم أنه كان قد قطع فيه شوطاً ملموساً إلى عالم الحكي؟ وما هي أول رواية كتبها في حياته؟!

كل هذه التساءلات أجاب عليها الروائي الراحل في كتاب لرجاء النقاش حمل عنوان «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ». «شبابيك» تستعرض بعضاً مما جاء فيه على لسان أديب نوبل.

تقليد الكبار

في سنوات الدراسة الابتدائية قرأت لكبار الأدباء في ذلك الوقت وحاولت تقليد أساليبهم. حاولت تقليد أسلوب مصطفى لطفي المنفلوطي في «النظرات» و«العبرات»، وحاولت كتابة قصة حياتي على غرار «الأيام» لطه حسين، وأسميتها «الأعوام».

وكان عام 1936 هو العام الفاصل في حياتي، فيه قررت احتراف كتابة القصة، بعد أن مررت بصراع نفسي رهيب في المفاضلة بين الفلسفة والأدب. ولم أحاول أن أشرك أحداً في تفكيري أو أطلعه على ما في نفسي من صراع، اخترت طريق الرواية رغم صعوبته، وتركت طريق الفلسفة رغم سهولته بالنسبة لي، حيث كنت قد كونت أساساً متيناً في الدراسات الفلسفية.

وصعوبة الطريق الذي اخترته تعود إلى عدة أسباب، أهمها أن الأدب العربي كان يفتقر إلى فن الرواية بشدة، وكان التراث الروائي الموجود في ذلك الوقت محدوداً للغاية، والأعمال الموجودة قليلة، وهي أقرب إلى فن السيرة الذاتية مثل «عودة الروح» لتوفيق الحكيم و«زينب» لمحمد حسين هيكل و«الأيام» لطه حسين. كما أن هذا الطريق كان يقتضي مني قراءات واسعة في الأدب العربي والعالمي على حد سواء.

طه حسين

هجر الشعر

في تلك الأثناء كان أمامي طريق ممهد هو طريق الشعر. كنت أحبه وكتبته وكان في إمكاني الاستمرار خاصة أن الشعر له تراث عريق في الأدب العربي، بل هو - كما يقال بصدق – ديوان العرب. والسبب الذي جعلني أتراجع عن كتابة الشعر هو افتقادي لملكة الحفظ التي يقوم عليها الشعر.

كانت الرواية هي الفن التي وجدت نفسي فيه، وكانت أعمالي الأولى عبارة عن روايات تاريخية كتبتها تأثراً بقراءاتي في التاريخ الفرعوني القديم، خاصة أعمال «رايدر هاجارد» صاحب الرواية المعروفة «هي أو عائشة» والذي حصل على لقب «سير»، وأعمال «هوك كين» الأديب الإنجليزي الذي شتهر بالكتابة عن التاريخ الفرعوني، وزار مصر وأقيم له احتفال مشهور في دار الأوبرا، وكتب أحمد شوقي قصيدة احتفاء به، إضافة إلى سلسلة الروايات التاريخية المعروفة لجورجي زيدان، والتي أوحت إلى بكتابة تاريخ مصر كاملاً من خلال الأعمال الروائية، وهو المشروع الذي توقف ولم يتم.

نجيب محفوظ

الكتابة الواقعية

عندما بدأت قراءاتي تتسع وتتعمق خاصة في الأدب قل حماسي للكتابة التاريخية، بل مات الحماس في داخلي، بعد أن أدركت أن المسألة أخطر وأعمق، وأن الرواية يمكن أن يكون لها دور مؤثر في معالجة قضايا المجتمع والتعبير عن هموم الناس ومشاكلهم، ومن هنا اتجهت إلى الرواية الواقعية.

وفي تلك الفترة كنت أجلس في المقاهي، أتابع تفاصيل الحياة اليومية وحكايات الناس، لأن الواقعية تقتضي الاهتمام بالتفاصيل مهما كانت صغيرة، واستغرقتني الواقعية فترة طويلة، حتى قيام ثورة يوليو سنة 1952.

فوجئت عندئذ بواقع جديد وقضايا جديدة ونوع جديد من التفكير طرأ على المجتمع، يختلف عما كان سائداً من قبل. هذه التغيرات أدخلتني في حالة من التأمل والتفكير استمرت خمس سنوات، لم أكتب خلالها أي عمل أدبي.

وكان العمل الأول الذي كتبته بعد الثورة وبعد سنوات الانقطاع هو «أولاد حارتنا»، ولا تحتاج هذه الرواية إلى تفكير عميق حتى يدرك القارئ أنها لا تنتمي إلى الأدب الواقعي، وليس فيها الإغراق في التفاصيل، الذي كان يميز أعمالي السابقة، بل تنتمي إلى منهج مختلف أقرب إلى مستوى الرمز.



0
0
0
0
0
0
0