يولد الإنسان وفطرة الحب مزروعة بداخله، حب أهله وأصحابه في الأرض، وحب الله الخالق في السماء، وكل محبوب له طريقة في التعبير عن حبه، الأهل بالمودة، والله بالعبادة.

لكن في نفس الوقت، يوجد حب آخر ينمو في صدر كل إنسان، حب الجسد الذي يترجمه لشهوة وانجذاب نحو الجنس الآخر، فهو غريزة وفطرة بالنظر واللمس.

حين يحتار الإنسان بين الحبين ويضل طريقه في الدنيا، من يأتيه بقبس من نور ولو نقطة واحدة لترشده وتهديه؟ هذا ما حكاه الأديب المصري بهاء طاهر في روايته «نقطة النور».

الجد العاشق

نتيجة بحث الصور عن السيدة زينب

تدور أحداث الرواية في نواحي حي السيدة زينب بالقاهرة، الممتلئة بالأجواء الإيمانية عظيمة التأثير مع أصوات المنشدين في المسجد وحلقات الذكر، هناك نقابل أهم شخصيتين، الباشكاتب «توفيق» وحفيده الشاب «سالم».

الباشكاتب رجل مسن على بعد شهرين من المعاش، ماتت زوجته مبكرًا ونسي كل ما يتعلق بالمرأة، فهو يعشق الأناشيد الصوفية التي تنادي بحب الله، ويقيم احتفالاً سنويًا يحضره أهل الشعر والمديح في الرسول وأهل بيته، كما عرف أحد أولياء الصوفية الذي سماه الناس «أبو خطوة» ورأى من حكمته الكثير.

مؤخرًا لم يعد الباشكاتب الأرمل على ما يُرام، فهو يميل نحو الأنثى مجددًا رغم عمره الكبير وتدينه، ويشعر بالذنب حين ينظر لمفاتن النساء في الشارع أو المجلات، فكيف يقبل هذا وقد تمنى أن يكون مثل الولي «أبو خطوة» في زهده ونقاءه؟

الحفيد المصاب

الحفيد سالم على وشك الدخول لكلية الحقوق، ولا ينوي أي صداقات مع الفتيات، فالواقع أن الفرصة جاءت له من قبل كي يقترب من النساء ورفض، مع جارته الصغيرة وقريبته الأرملة اللعوب، ولم يكن زهدًا منه وإنما رهبة وجهلاً.

هو في الأساس مضطرب عقليًا، رغم أنه هادئ جدًا ورزين، لكنه في لحظة واحدة يصيبه الصرع، ويسب كل من حوله بأسوأ الشتائم، وحاول أبوه علاجه بصعوبة والسيطرة على عقله بالأدوية، فصارت فرصته في الحب قليلة طوال عمره.

وهكذا وجد الحفيد نفسه في الحياة يتيم الأم، ومصابًا باختلال عقلي نادر، يمنعه من التواصل بسلاسة مع الناس، ولا يفهم شيئًا عن الحب والغريزة، قبل أن تظهر «لبنى» في حياته.

لبنى المنتهكة

«لبنى» هي الأخرى أصابتها عقدة من الحب وسيرته، رغم أنها من أسرة غنية، والديها طبيبان مشهوران لكنهما انفصلا مبكرًا، وعاشت وحدها مع أبيها، حياة ظلت مستقرة نسبيًا تعاني فيها غياب أمها، حتى بلغت الـ16، لتتغير تمامًا في حصة مدرس الرياضة الكهل.

في غياب الأب والخدم، تلعب الشهوة بعقل المدرس، يتهجم على «لبنى»  التي لا يسمع أحد صراخها ولا تجد وقتًا لفهم ما يحدث، لا تذكر إن تساهلت فعلاً بسبب الصدمة أو قاومت كما ينبغي، شعرت بالألم والمجرم يسألها ذاهلاً «لماذا لم تخبريني أنك بنتًا».

ذهب المدرس بلا رجعة، و«لبنى» أصابتها عقدة مؤكدة، حتى دخلت كلية الحقوق وقابلت سالم الحفيد الوسيم، لتقع في حبه.

الحب وعقده

صورة ذات صلة

الباشكاتب و«سالم» و«لبنى»، الثلاثة عانوا من افتقاد الحب بأشكال مختلفة، نكتشف بعدها أن معظم الشخصيات تعاني، أخت «سالم» الشابة مع جارها، أم «لبنى» التي انفصلت عن زوجها الخائن، وارتبطت بآخر أقل وسامة لتشعر فقط بالحب الحقيقي، الذي يبحث عنه الكل.

حين فقد الباشكاتب زوجته الحبيبة ونادته غريزته فجأة في كبره، جاءته الفرصة في زبونة تنهي أوراقها في المصلحة الحكومية التي يعمل بها، كانت أرملة خمسينية مثله، وفهمت نظراته بسهولة، هكذا تزوجا عرفيًا وعاشا كزوجين معًا في شقة مستأجرة.

“الحب الحقيقي التقاء روحين والأرواح لا تتنافس في الجمال ولا في الذكاء لأن كل الأرواح جميلة وذكية”

أما «سالم» و«لبنى»، فقد جمعتهما الصداقة حتى لحظة الحقيقة، واعترفت «لبنى» بما جرى مع مدرس الرياضة، وارتمت في حضن «سالم» ولكن هنا تنادي الغريزة «سالم» أيضًا، حين يكتشف أن ضمته لـ«لبنى» ليست حبًا للروح فقط، لقد وجد نفسه يستجيب لجسده كما استجابت له «لبنى».

حب الجسد المنتهي

الباشكاتب لم يعد مرتاحًا، رغم كل ليالي الحب، رغم ارتواء الجسد وسكوت الغريزة أخيرًا، قل اللقاء مع زوجته إلى مرة أسبوعيًا بعدما كان يوميًا، هو الآن يفتقد معاني الأشياء الأهم في نفسه، يشعر بظمأ الروح الأصعب من ظمأ الجسد.

أما «سالم» فقد عاد اختلاله العقلي، بمجرد أن فرغ من «لبنى» حتى راح يشتم ويصرخ، وترك البيت كالسكارى، كأنها صدمة جديدة عليه، ولم يفلح معها العلاج العادي بالأدوية، بل اضطر الطبيب النفسي إلى علاج الصدمة بصدمة.

وشعرت «لبنى» أن لا فائدة، تركها «سالم» كما فعل المدرس، وفعلاً شعرت بالحب الحقيقي معه كأنها تطير فوق السحاب، لكن الجنس البحت مع جسدها لم ينفعها، و«سالم» نفسه راح يشتمها ويلعنها.

 ظمأ الروح

نتيجة بحث الصور عن ‪spirit‬‏

طلّق الباشكاتب زوجته بعدما أعلنت له اكتفائها هي الأخرى، ولكن متى ظهر الحل؟ متى يعرف أن العبرة بالحب العلوي أولاً وأخيرًا، حب الله وحده، حدث هذا في موعد الاحتفال الصوفي السنوي حين أنشد الرجال بردة المديح في الرسول محمد (ص) لتتساقط دموع الباشكاتب أنهارًا، ويقرر الاعتزال في العبادة.

«سالم» عاد لصوابه بعد العلاج، وعمل محاسبًا في مطعم بخلاف دراسته في الحقوق، لكنه نسي تقريبًا كل شيء عن الحب مجددًا.

أما «لبنى» فقد سافرت للعلاج النفسي في الخارج بعدما صارحت أمها بشأن المدرس، وعادت لمصر بعقل كالورقة البيضاء، لا ترغب أصلاً في الحياة وتريد الموت في حمام السباحة.

تدهورت صحة الباشكاتب ورقد في سريره نائمًا، وعادت إليه الرؤى والنفحات الصوفية، فقد زارته زوجته الراحلة كثيرًا في المنام، وزاره «أبو خطوة» الولي صاحب الكرامات، ليخبره أنه أقترب الآن من الزهد والإيمان الحقيقي، حين تظهر له العلامة الأكيدة، أن يرى النور في قلب الظلام.

نقطة النور

لم يعرف الباشكاتب معنى كلام الولي، أي نور هذا الذي سيراه؟ وماذا عن حفيده وحبيبته؟ تفرّق الاثنان بعدما التقيا واقتربا كثيرًا، هل انتهت قصتهما عند هذا الحد؟

سأل الباشكاتب «سالم» عن «لبنى»، وجده يهرب من سيرتها ويشعر بالذنب نحوها، لكنها ما زالت تزوره في الأحلام، هنا نهض الباشكاتب من رقاده، ارتمى على «سالم» قائلاً: الآن أراك.. أراك يا سالم، وغاب الرجل بعدها في شلل تام.

انقطع «سالم» عن العمل واعتنى بجده، وكان متأكدًا أن الباشكاتب سيصير وليًا من الصالحين مثل صاحبه «أبو خطوة»، ولم يفهم معنى ما قاله جده إلا حين زارته «لبنى» في السيدة زينب.

فقد عرفت أنها تحبه وحده، وأن وجهه زارها في كل مكان، أراد هو الآخر أن يخبرها عن نيته بالزواج منها بعد شفاء جده، لكنها سألته:

- حدثني ماذا يقول جدك عن الأرواح؟

- يقول كل الأرواح جميلة وكلها طيبة.

- وهل قال لك يا سالم ما الذي ينقذ هذه الأرواح؟

- نعم، قال الحب.

كل النور

نتيجة بحث الصور عن ‪god love‬‏

إذا كان حب الإنسان لحبيبه هو نقطة النور، فإن حب الإنسان لربه هو كل النور، هكذا تتلخص هذه الرواية، التي دمج مؤلفها بين الرومانسية والصوفية في خليط جديد، شارحًا أن الجميع يبحث عن النور، عن الحب، مهما جرى من ظلم أو أمراض، فـ«سالم» و«لبنى» الآن سيعرفان النور كله بعدما وجدا نقطة النور، سينجوان كما نجا الجد من الظلام.

الأديب المصري بهاء طاهر من أعلام الرواية المعاصرين في مصر، حصل على جائزة البوكر العربية في أولى دوراتها عن روايته «واحة الغروب» التي تحولت لمسلسل شهير، ومن أعماله المهمة الأخرى رواية «خالتي صفية والدير» و«الحب في المنفى».




0
0
0
0
0
0
0