اكتشافات ابن النفيس في مجال الطب والعلوم الصحية، أسست لما يمكن أن نعتبره اليوم الطب الحديث.

فابن النفيس هو واحد من أشهر الأطباء العرب والمسلمين في القرون الوسطى، والذين نقلوا الطب من مجال يحيط به الكثير من الخرافات، لاكتشافات يُعمل بها حتى الآن مثل اكتشافه لعمل الدورة الدموية ودور القلب في إمداد جسم الإنسان بالحياة، وكذلك ربطه بين الأمراض والتغذية الخاطئة.

ابن النفيس من دمشق للقاهرة

بمدينة دمشق ولد علاء الدين بن حزم القَرَشي في العام 1213 ميلاديا، والذي أعطي فيما بعد لقب ابن النفيس فيما بعد.

درس ابن النفيس في طفولته وبداية شبابه العلوم المختلفة مثل اللغة والفقة والفلسفة والمنطق؛ وعندما بلغ عامة الثاني والعشرين أصابته أزمة صحية شديدة، عُرض خلالها على العديد من الأطباء الذين لم يتسطيعوا علاجه بسهولة.

وبعد تعافيه من هذا المرض قرر أن يحترف الطب، حتى ينفع الناس بعد أن أصبح لا يثق إطلاقًا في أطباء هذا الزمان.

درس الطب على يد كبار علماء عصره في دمشق مثل رضا الدين الرحابي وعمران الإسرائيلي والدخوار عبد الرحم الدخوار رئيس المستشفى النوري بدمشق.

وبعد ذلك عُين طبيبًا في المستشفى نفسه، ولكنه لم يستمر فيها طويلا فقد سافر إلى مصر وعمل بالمستشفى الناصري بالقاهرة.

اكتشافات ابن النفيس

في قديم الزمان اعتقد كبار الأطباء أن الدم يتكون في الكبد ثم يذهب عبر الشرايين إلى البطين الأيمن في القلب وينتقل خلاله إلى البطجين الأيسر، وبعد ذلك يضخ القلب الدم إلى باقي أجزاء الجسم.

والبطين الأيمن هو عبارة عن حجرة في القلب، وظيفتها هي تنقية الدم من ثاني أكسيد الكربون، ليضخه البطين الأيسر في القلب إلى باقي أجزاء الجسم.

ظل العلماء والأطباء الكبار مؤمنين بهذه الفكرة ومن بينهم ابن سينا وجالينيوس، حتى جاء ابن النفيس الذي أثبت أن هذه النظرية خاطئة تمامًا، واكتشف ما يعرف بالدورة الدموية الصغري؛ كما يذكر موقع «بوابة الحضارات».

فالدم ينتقل عبر الشرايين إلى البطين الأيمن في القلب، ثم يدخل أولًا إلى الرئة التي تنظف الدم من ثاني أكسيد الكربون، وتمده بالأكسجين، وبعد ذلك يتنقل الدم من الرئة إلى البطين الأيسر، وهذه العملية تعرف باسم الدورة الدموية الصغري.

وقبل ذلك كان الأطباء يعتقدون أن هناك فتحة بين البطين الأيمن والأيسر يتنقل خلالها الدم، وأثبت ابن النفيس أنه لا توجد فتحات إطلاقا وأن الدم بحاجة للمرور على الرئة أولًا حتى تتم تنقيته.

  • اختراعات ابن النفيس في أوروبا

وبعد حوالي 400 عام من اكتشاف ابن النفيس، وفي مكان بعيد بأوروبا، استكمل الطبيب الإنجليزي وليام هارفي في القرن السابق عشر، دراسة وظائف القلب، واكتشف الدورة الدموية الكبرى.

فاكتشف هارفي أن القلب هو عضو أشبه بالمضخة، فالدم النظيف المحمل بالأكسجين يضخه القلب بانقباضات وانبساطات لا إرادية إلى باقي أنحاء الجسيم.

وبنفس هذه الحركات اللإرادية، يسحب القلب الدم المحمل بثاني أكسيد الكربون ليدخل إلى الصمام الايمن ويتم تنظيفه؛ وبهذا تتكامل الدورة الدموية الصغرى والكبرى، لتمنح الجسم الحياة.

اكتشاف الدورة الدموية الصغرى كان الاكتشاف الأهم بالنسبة لابن النفيس وللطب في ذلك الوقت؛ وحتى يومنا هذا تُبنى العلوم الطبية على الأسس التي وضعها ابن النفيس للدورة الدموية قبل قرون طويلة.

  • ابن النفيس واختراع التغذية العلاجية

وقد اتبع ابن النفيس طريقة في علاج مرضاه تعتبر الوسيلة الأبرز التي ينصح بها الأطباء حتى الآن، فقد اكتشف العلاقة العلاج والتغذية السليمة، فكان يعالج مرضاه بتنظيم الغذاء أكثر من إعطاءهم العقاقير.

وقبل ذلك كان الناس في القرون الوسطى يعمدون إلى مختلف الخلطات والأعشاب الغريبة لعلاج الأمراض.

ففي كتابه «المختار من الأغذية» وضع ابن النفيس أنظمة للتغذية السليمة المناسبة لكل مرض، مثل التغذية السليمة لمن يعاني من الحُمّى، والأغذية السليمة لمرضى الإسهال، والتغذية السليمة لأصحاب السعال، والتغذية السليمة لمرضى القولون؛ وهكذا.

وللحفاظ على الصحة العامة، سبق ابن النفيس علماء اليوم عندما نصح الناس باتباع نظام غذائي صحي في حياتهم اليومية، عندما قال في كتابه «لنقتصر من الغذاء على الخبز النقي من الشوائب واللحم والحلُو الملائم».

فقد كان لابن النفيس منهجًا خاصًا وجديدا في العلاج، فهو يبدأ أولًا بتغيير العادات الغذائية للمريض، ثم يعطيه الدواء في المرحلة الثانية؛ فقد أسس لما ينادي به أطباء اليوم، من أن كثرة الدواء ليست جيدة للصحة.

وكان من أوائل الأطباء الذين ربطوا بين التغذية الخاطئة والأمراض الخطرة، فكان ينصح مرضاه بالتقليل من تناول الملح لارتباطه بارتفاع ضغط الدم.

  • ابن النفيس واستخدامات الدواء

ومن هذا المبدأ وضع ابن النفيس شروطًا خاصة في استخدام الدواء وهي «جوهر الدواء» أي المادة الفعالة و «مقدرا الدواء» أي الجرعة المناسبة و«كيفية الدواء» أي هل يؤخذ عن طريق الفم أو الدهان أو غيره، للحصول على معالجة فعالة.

لقب ابن النفيس 

عاش ابن النفيس حياته عازبًا ولم يتزوج، وأصبح طبيبًا ومدرسًا للطب كذلك في المستشفى الناصري بالقاهرة، كما كان يعقد في منزله ندوة تجمع المهتمين بالعلوم الآداب وليس بالطب فقط.

فقد كان ابن النفيس عالمًا موسوعيًا له مؤلفات في الفقه واللغة والسيرة النبوية، مثل «طريق الفصاحة» وهو كتاب في النحو، و«شرح الإشارات» في المنطق، و«الرسالة الكاملية» في السيرة النبوية.

وفي الطب عُرف ابن النفس بأسلوبه الجديد في تناول العلوم الطبية، وتبسيطها للدارسين وللمهتمين، ولذلك اهتم بتقديم الشروح لكتب الطب القديمة مثل كتاب «شرح الفصول لأبقراط» الذي كتبه أبو الطب أبقراط، وكتاب «القانون» للعالم الشهير ابن سينا تحت عنوان «شرح تشريح القانون» وهو الكتاب الذي قدم فيه اكتشافه الجديد للدورة الدموية؛ فقد تميز ابن النفيس بلغته السهلة المبسطة التي تقرب العلوم الطبيعة للجميع.

وهب ابن النفيس حياته بالكامل للطب، وأصبح الطبيب الخاص للظاهر بيبرس، الذي منحه منصب رئيس الأطباء بالمستشفى الناصري بالقاهرة؛ كما عُرف عنه أنه دمث الأخلاق ويعامل جميع الناس ببساطة ولين.

هذه الأسباب مجتمعة كانت السبب في أن يعطيه الناس لقب «ابن النفيس» فهي إشارة لمكانته الكبيرة بين الناس والأطباء، حتى أنهم كانوا يساوون بينه وبين عالم كبير آخر سابق عليه وهو ابن سينا.




0
0
0
0
0
0
0