علي بن أبي طالب.. ماذا تكشف أشعاره عن الوجه الآخر للفارس الشجاع؟

علي بن أبي طالب؛ كما صورته كتب التاريخ، هو فارس شجاع، حمل هموم الدعوة للإسلام منذ أن كان صبيا صغيرا؛ يتحدى سادة قريش وكبرائها بسيفه وذكاءه، ويكتب النصر للملسمين في غزوة تلو الأخرى؛ فهو أشبه بالبطل الشعبي.

لكن هذا لم يكن الجانب الوحيد لشخصية «ابن أبي طالب»، فهو شاعر له ديوان كامل منسوب إليه؛ ورغم أن هناك خلاف حول نسبة بعض هذه القصائد لعلي بن أبي طالب أو لشعراء آخرين؛ إلا أن أكثر هذه الأشعار ترتبط بمواقف ومناسبات عاشها هو بنفسه، فماذا تكشف  قصائده عن جانبه الإنساني ونظرته للدنيا؟

صورة مثالية لبطل

عندما تقرأ كلماته للمرأة الأولى، لن يلفت انتباهك أكثر من الصورة التقليدية المرسومة في كتب التاريخ؛ وبالتحديد التي تحكي التاريخ من زاوية سياسية أو حربية.

فهو ابن سادة قريش، الذي تغذّى على المعارك والغزوات منذ صباه؛ كما يتفاخر دائما على أعداء في شعره:

أنا علي وابن عبد المطلب.. مُهذَّب ذو سطوة وذو غضب

غُذيت في الحرب وعصيان النُوب .. من بيت عِز ليس فيه مُنشعب

ورغم ذلك فهو الفارس، الذي يرفض أن يكون الحسب والنسب، مقياسا لأفضلية الإنسان

كن ابن من شئت واكتسب أدبا .. يغنيك محموده عن النسب

فليس يغني الحسيب نسبته .. بلا لسان له ولا أدب

إن الفتى من يقول ها أنا ذا .. ليس الفتى من يقول كان أبي

كلمات كلها ترسم صورة «نموذجية» لشخصية البطل الشعبي أو الإسلامي، لكن ماذا عن مشاعر هذا الفارس ومخاوفه ورؤيته في الحياة؟

الفرحة التي تموت

سنقلب قليلا في صفحات الديوان، لنجد ملامح الحزن وانتقاد حال الدنيا تتضح شيئا فشيئا، ويقول: 

هذه الأبيات لا تعتبر مجرد أبيات في الزهد؛ فعندما ننظر إلى باقي أشعاره سنجد أن الفرحة فيها لا طعم لها، لأن كل شيء في الدنيا سيموت؛ حتى السعادة  لن تدوم، وستأتي بعدها الأحزان.

وإن سرني لم أبتهج بسروره .. فكل سرور لا يدوم حقير

ما سبب كل هذا الأحزان؟

وإذا سألت عن السبب الذي يملأ شعره بهذه اللمسة الحزينة الزاهدة في الدنيا؛ فسنجده يخبرنا عن الكثير.

ربما كان أول هذه الأحزان، تعود إلى صباه، وتحديدا عند فراق والده وسيد قُريش «أبو طالب بن عبد المطلب» ثم وفاة السيدة خديجة بنت خويلد، زوجة الرسول؛ بعده بثلاثة أيام فقط، وقد قال هذه الأبيات في رثائهما:

أعيني جودا بارك الله فيكما .. على هالكين لا يُرى لهما مثلا

على سيد البطحاء وابن رئيسها .. وسيدة النسوان أول من صلى

لقد نصرا في الله دين محمد .. على من بغى في الدين قد رعيا إلّا

وفي شبابه؛ يكون «عليّ» مع موعد مع فراق أكثر وجعا وألمًا، وهو رحيل الرسول ثم زوجته فاطمة الزهراء في العام نفسه، وهو الشيء الذي جعله يشعر أن الأحزان أصبحت «كثيرة عليه» كما يقول:

أرى عِلل الدنيا عليّ كثيرة ..  وصاحبها حتى الممات عليل

لكل اجتماع من خليلين فرقة ..  وكل الذي دون الفراق قليل

وإن افتقادي فاطمًا بعد أحمد..  دليلٌ على أن لا يدوم خليل

أما الرسول، فقد رثاه بأبيات مؤلمة هي:

ما غاض دمعي عند نازلة .. إلا جعلتك للبكا سببا

وإذا ذكرتك ميتا، سفحت .. عيني الدموع ففا وانسكبا​​​​​​​

ويقال إنه كان يذهب لزيارة قبر فاطمة، ثم يجهش بالبكاء وينشد مثل هذه الأبيات:

مالي وقفت على القبور مُسلما .. قبر الحبيب فلم يرد جوابي

أحبيب مالك لا ترد جوابنا .. أنسيت بعدي خلة الأحباب؟

​​​​​​​


​​​​​​​

غدر الأصدقاء

وبين كل هذا لا يجد شخص مثل «ابن أبي طالب» في الأصدقاء من يكون معه على الدنيا بحلوها ومرها، فالمودة تغيرت، والصديق يتحول إلى عدو في وقت الشدة.

وربما كانت الأحداث الكبرى التي مر بها بدءا من ظهور الإسلام، والمعاداة التي نصبتها القبائل العربية لأبنائها ممن دخلوا في الدين الجديد؛ وما تلا ذلك من تعذيب في لهم واضطهاد وحروب، ثم أحداث الفتنة الكبرى بعد وفاة الرسول؛ هي ما جعلته دائم التعجب من أحوال الناس وقدرة البعض منهم على الغدر بأقرب الناس إليهم.

تغيرت المودة والإخاء..  وقل الصدق وانقطع الرجاء

وأسلمني الزمان إلى صديق.. كثير الغدر ليس له رِعاء

وفي أبيات أخرى منسوبة إليه يقول، عن «أصدقاء المصلحة» بلغة أيامنا:

الناس في زمن الإقبال كالشجرة .. وحولها الناس ما دامت بها الثمرة

حتى إذا ما عَرت من حملها انصرفوا .. عنها عقوقا وقد كانوا بها بررة

وحاولوا قطعها من بعد ما شفقوا .. دهرا عليها من الأرياح والغَبرة

الفقر وقلة الحظوظ

شخص مثل «علي بن أبي طالب»، ابن سادة قريش ورابع الخلفاء الراشدين، لم يسلم مثل غيره، من الأوقات التي يهزمه فيها الفقر الشديد، وهو الفارس الشجاع الذي لا يخاف أحدًا، فيقول:

غالبت كل شديدة فغلبتها.. والفقر غالبني فأصبح غالبي

إن أبده يصفح وإن لم أبده.. يقتل فقبح وجهه من صاحب

ومن الاضطهاد الذي عاناه المسلمون في بداية الدعوة، للحروب والمعارك التي خاضوها، ثم انقسامهم بعد موت الرسول، وما لاقاه «عليّ» من أحداث الفتنة وموقعة «صفين» يتعجب من حال الدنيا التي لا يفوز بها أهل العقل والحكمة، ولكن أصحاب الحظوظ؛ فيقول:

فلو كانت الدنيا تنال بفطنة .. وفضل وعقل نلت أعلى المراتب

ولكنما الأرزاق حظ وقسمة .. بفضل مليك لا بحيلة طالب

تفاؤل في شعر ابن أبي طالب


ومثلما يمتلئ شعر «علي بن أبي طالب» بانتقاد حال الدنيا؛ فهو يخبرك أنه ليس بالشخصية المستسلمة التي ترى العالم من «نظارة سوداء»، فهو صبور، يخفي همومه حتى لا يشمت به الأعداء أو يحزن لحاله الأحباء. يقول في قصيدة يرد بها على رسالة أخيه «عَقيل» الذي يسأله فيها عن أحواله:

فإن تسألني كيف أنت، فإنني .. صبور على ريب الزمان صعيب

حريص على ألا يُرى بي كآبة .. فيشمت عادٍ أو يُساء حبيب

يقول في أبيات أخرى:

إذا ضاق الزمان عليك فاصبر.. ولا تيأس من الفرج القريب

وطِب نفسا بما تلد الليالي .. عسى تأتيك بالولد النجيب

هل هي القناعة إذًا؟

ربما كثرة الشدائد، ثم الفرج الذي يأتي من بعدها، هي ما أوصلت «ابن أبي طالب» لحالة من القناعة، والرضا بما سيأتي على كل حال؛ فإذا كان لا فرحة تدوم ولا حزن أيضا كما يقول، فلماذا الكآبة؟

دَع الحرصَ على الدنيا .. وفي العيش فلا تطمعْ

ولا تجمع من المالِ.. فلا تدْرِي لمن تجمعْ

ولا تدري أفي أرض‍ك .. أم في غيرها تُصْرَعْ

فقير كلُّ من يَطمَعْ.. غني كل من يَقنَعْ

فلسفة اغتنام الفرصة

إن القناعة والتسيلم التي تظهر في شعره، ستثمر عن فلسفة من نوع خاص؛ ربما تكون جديدة على ذاك العصر، وهي اغتنام الفرصة في أوقات الفرح.

فإذا كان الحزن لا يدوم للأبد، وكذلك السعادة لا تدوم؛ ففي أوقات الشدة نصبر حتى تزول، وفي أوقات الفرحة نغتم الفرصة.

إذا هبت رياحك فاغتنمها .. فعُقبى لكل خافقةٍ سُكون

ولا تغفل عن الإحسان فيها .. فما تدري السكون متى يكون

ولإن درت نياقك فاحتلبها .. فما تدري الفصيل لمن يكون

وإذا ظفرت يداك فلا تقصر .. فإن الدهر عادته يكون

هل قال علي بن أبي طالب الشعر حقا؟

من الجيد أن نجد قصائد تكشف لنا الجانب الإنساني لشخصية مثل علي بن أبي طالب، بعيدة عن الفروسية أو الجانب الحربي. لكن يجب أن نتسائل أيضا: ما صحة نسبة هذه الأشعار له؟ خاصة أن هناك قصائد كاملة، تنسب لشعراء آخرين.

كان «ابن أبي طالب» يقول الشعر، ببعض الأبيات تم تجميعها في ديوانه، لكنه لم يكن شاعرا، بالمعنى الذي يجعل من الشعر مهنته وصنعته، فقد ورث نظم الشعر من أبيه وعم الرسول «أبو طالب بن عبد المطلب» الذي قال بعض القصائد الذي ينتصر فيها للرسول ضد قومه، وكان «عليّ» ينشدها حتى بعد وفاة أبيه؛ وفقا لدراسة بجامعة الكوفة، حول شعر «أبو طالب بن عبد المطلب».

وعلى الجانب الآخر سنجد آراء تشكك في صحة نسبة الديوان بأكلمه لـ«عليّ»، رغم أن بعض قصائده قيلت في مناسبات خاصة بحياته، مثل رثاء الرسول ابنته فاطمة الزهراء، أو قصائد أخرى قيلت في حروب بعينها، مثل غزوة خيبر، وموقعة صفّين.

فأبيات مثل «إذا هبت رياحك فاغتنمها» ينسبها البعض للإمام الشافعي، لكننا لم نجدها في ديوانه، في الوقت الذي نجدها في ديوان الإمام علي. على الرغم من وجود قصائد مشتركة في الديوانين، مما يعني أن ديوان «عليّ» لا يزال يحتاج إلى الكثير من التحقيق، لنستطيع فهم الكثير حول جوانبه الإنسانية.

 

أميرة عبد الرازق

محررة صحفية ومترجمة مصرية مهتمة بشؤون التعليم واللغات وريادة الأعمال

ميكس ميديا