محمد القاسم.. فاتح السند المقتول حبا وكرها

لم يتجاوز الـ17 من عمره وحقق فتوحات وانتصارات عظيمة سجلها التاريخ، وكانت كافية لأن يُسطر قرينا بفتح السند (باكستان)، في هذا التقرير من «شبابيك» تتعرفون على قصة القائد الشاب محمد بن القاسم الثقفي.

المولد

ولد محمد بن القاسم سنة 72 هـ (691م) في مدينة الطائف، ونشأ محمد منذ نعومة أظافره في محيط ملائم لتنشئة القادة والأمراء. 

عيّن الحجاج بن يوسف الثقفي، الوالي العام على العراق والولايات الشرقية التابعة للدولة الأموية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، عمه القاسم الثقفي واليا على مدينة البصرة، وكان محمد له استعداد فطري متميز وأفاده محيطه في بناء شخصيته، لذلك ظهرت كفائته في وقت مبكر من عمره وهو لا يزال في ريعان الشباب.

بداية الحكاية

حكاية تولية محمد بن القاسم مسئولية فتح بلاد السند، بدأت عندما أهدى ملك جزيرة «الياقوت» إلى الحجاج نسوة مسلمات ولدن في بلاده ومات آباؤهن وكانوا تجارا، فأراد التقرب بهن، إلا أن السفينة التي كن فيها اعترضها قراصنة، وأخذوا السفينة بما فيها، فنادت إمرأة منهن: «يا حجاج».

وبلغ «الحجاج» ذلك، فأرسل إلى «داهر» ملك السند يسأله تخلية النسوة، فقال: «إنما أخذهن لصوص لا أقدر عليهم»، فأرسل «الحجاج» حملتين لكن فشلتا وقُتل قائدا الحملتين، فشعر بمدى الإهانة التي تلحق بهيبة المسلمين وخطورتها إن سكت على هذا الأمر، فاختار محمد بن القاسم وضم إليه ستة آلاف من جند أهل الشام، وجهزه بكل ما يحتاج إليه ليفتح بلاد السند (باكستان) الآن.

وفي طريقه لبلاد السند، تمكن محمد بن القاسم من فتح العديد من المدن بعضها فتحها بالحرب والقتال وبعضها الآخر بالصلح، ومنها «فنزبور» و«أرمائيل» إلى أن لقي «داهر» ملك السند ودارت الحرب بينهما، لتنتهي بمقتل «داهر»، ليواصل محمد بن القاسم فتوحاته في مدن السند الآخرى، منها «راور»، «برهمناباد»، ثم فتح عددا من بلاد الهند أيضا ومنها «الكيرج» (مومباي) حاليا.

مواقف من داخل المعارك

  • فتح الديبل


 

وصل محمد بن القاسم «الديبل» يوم جمعة، ونصب منجنيقا تعرف بالعروس، كان يعمل لتشغيله خمسمائة من الرجال ذوي الكفاءة المدربين على استخدامه، وحاصر محمد بن القاسم «الديبل» وقاتل حتى انتصر، وهرب عامل «داهر»، واختط للمسلمين بها وبنى مسجدا فيها، فكان أول جامع بني في هذه المنطقة.

  • فتح الرور والمُلتان

بعدما فتح محمد بن القاسم «الديبل» سار إلى «النيرون»، وفتحها صلحا، وكان لا يمر بمدينة إلا فتحها، حتى وصل إلى «الرور»، وهي من مدائن السند وتقع على جبل، فحاصرها شهورا ثم فتحها صلحا على ألا يقتلهم ولا يتعرض لمعابدهم ومقدساتهم، ووضع عليها الخراج وبنى بها مسجدا.

ثم فتح مدينة «السكة»، إلى أن وصل إلى مدينة «المُلتان»، أعظم مدن السند الأعلى وأقوى حصونه، فامتنعت عنه شهورا وقاتله أهلها، فانهزموا وحاصرهم، حتى جاءه رجل ودله على مدخل الماء الذي يشرب منه السكان، فقطعه عليهم، فنزلوا على حكمه.


سياسته في المدن المفتوحة

لقد كان الهنود على حال من الفوضى والشقاق قبل محمد بن القاسم، فكانت سياسته هي الصلح والكياسة، ولم يخن عهدا قطعه على نفسه، وحدد الخراج الذي تدفعه كل قرية على حدة، وشجع طبقات الشعب كافة على اتباع القانون والوفاء بما يقطعون لبعضهم من عهود. وكان إدرايا متميزا وبنى كثيرا من المساجد في الهند، وقيل أنه أول من تولى عمارتها واختطاطها.

حرص محمد بن القاسم على تطبيق المثل العليا للإسلام نصا وروحا على أهل البلاد المفتوحة، ما أدى إلى ازدياد عدد جنوده من الهنود المسلمين أنفسهم، فعاونوا العرب المسلمين في كثير من الأحيان معاونة حاسمة لإحراز النصر.

الكثير من الهنود – خاصة الطبقات الدنيا – أعلنوا ولاءهم لمحمد بن القاسم، بعد أن رأوا تسامحه، حيث منع رجاله من السلب والنهب والظلم والعدوان، حيث أمنهم على أنفسهم وأموالهم.

بل أن أحد البراهمة، دل محمدا – متطوعا – على مكان خفي بأحد المعابد القريبة في «الملتان» كان ملوكهم يودعون فيه أموالهم وكنوزهم، فوجد به الكثير من المال ما مكنه من أن يرد إلى بيت مال المسلمين ضعف نفقات الحملة.

النهاية الحزينة

بينما كان محمد بن القاسم ينتقل من نصر إلى نصر، ويستعد لفتح مملكة «قَنوح» أعظم إمارات الهند، وكانت تمتد من السند إلى البنغال، وأوفد بعثة من رجاله إلى ملكها تدعوه إلى الإسلام أو الجزية، فرد الملك الوفد ردا غير كريم، فأخذ محمد يعد العدة لفتحها، وجهز جيشا فيه عشرة آلاف من الفرسان.

وفي الوقت الذي أمَل فيه محمد أن يضم مملكة الهند الشمالية وعاصمتها «قَنوح» إلى ما فتحه من بلاد الهند، جاءه خبر وفاة الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان، وكان سنده وسند الحجاج بن يوسف الثقفي أيضا، وتولية سليمان بن عبد الملك عدو الحجاج وأسرته.

فولى سليمان بن عبد الملك يزيد بن أبي كبشة السكسكي السند، وعزل محمد القاسم، وأعطى العراق لصالح بن عبد الرحمن. وأخذ يزيد بن أبي كبشة أمير السند الجديد محمدا وقيده وحمله إلى العراق، فقال محمد:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا                ليوم كريهة وسداد ثغر

وبكى أهل السند محمدا، ولما وصل إلى العراق حبسه صالح بن عبد الرحمن بمدينة «واسط»، فقال محمد:

فلئن ثويت بواسط وبأرضها               رهن الحديد مكبلا مغلولا

فلرب فتية فارس قد رعتها               ولرب قرن قد تركت قتيلا

أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة دمنهور، دكتور إبراهيم مرجونة، يقول لـ«شبابيك» إن بعض المصادر التاريخية، منها «أطلس تاريخ الإسلام»، و«سير أعلام النبلاء»، و«محاضرات الدولة الأموية»، ذكرت أن محمد بن القاسم اُتهم زورا بأنه أقام علاقة غير شرعية مع ابنة «داهر» ملك السند، ليحكموا عليه بالسجن الذي عُذب فيه حتى مات من العذاب، لتنتهي حياة بن القاسم سنة 96 هـ، وهو لم يتجاوز الـ24 من عمره.

مات محمد بن القاسم بالتعذيب، دون أن يشفع لهذا القائد الشاب بلاؤه الرائع في توسيع رقعة الدولة الإسلامية، ولا مهارته الفذة في القيادة والإدارة، ولا انتصاراته الباهرة في السند. وبعد وفاته، بكاه أهل السند من المسلمين وغير المسلمين، لحسن معاملته لهم وتأمينهم على أموالهم وأنفسهم، وإطلاق حرية العبادة لهم، ولحسن سياسته للبلاد المفتوحة وتدبير أمورها.

أسماء أبو بكر

عن كاتب المقال: صحفية مصرية حاصلة على كلية الإعلام من جامعة القاهرة، تهتم بشؤون الطلاب

ميكس ميديا