يعد الشاعر «رينر ماريا ريلكه» أشهر شعراء ألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين، وبسبب أهميته الكبيرة في الأدب الألماني أطلق النقاد والباحثون عليه لقب «أمير شعراء ألمانيا»، وعندما امتد تأثيره إلى الشعر الأوروبي كله، أطلقت بعض الصحف عليه لقب «أمير شعراء العالم».

كانت مصر حاضرة بقوة في حياة «ريلكه» حيث زارها في عام 1911، ولكن الغريب أن هذا الشاعر ارتبط بقصة حب قوية بامرأة مصرية اعتبرها البعض سبباً في وفاته. فكيف جاء أمير شعراء ألمانيا إلى مصر؟ وكيف عاش بها؟ وما هي حكايته مع المرأة المصرية التي وقع في غرامها؟ كل ذلك أجاب عليه الكاتب الراحل رجاء النقاش في كتابه «عباقرة ومجانين».

الراحة في مصر 

كانت مصر في بداية القرن الماضي بلداً يتمتع بالهدوء، ولم تكن قد أسلمت نفسها للزحام والضجيج والتهافت على أساليب الحياة الغربية. ومن هنا وجد الشاعر الألماني في مصر اطمئنان القلب والروح، ولم يشعر مع هذا الاطمئنان الروحي أنه معزول عن حضارته الأوروبية.
​​​​​​​

كان «ريلكه» يريد أن يكتشف العالم ويتعرف على تجارب الحياة المختلفة، فأخذ يتنقل من ألمانيا إلى أكثر من بلد أوروبي حتى استقر في باريس التي أزعجته بضجيجها وزحامها، وخرج منها بحب فاشل وزواج قصير لم يهنأ فيه بالسعادة الحقيقية.

قرر الشاعر الألماني تغيير دفة أسفاره فاتجه إلى الشرق، فزار الجزائر وتونس، ثم زار مصر وبقي فيها 3 شهور امتدت من يناير 1911 إلى مارس من نفس العام.

تركت زيارته لمصر في نفسه أثراً شديد العمق، فقد أحس فيها بالدفء الجميل وبساطة الناس. كانت مصر في بداية القرن الماضي بلداً يتمتع بالهدوء، ولم تكن قد أسلمت نفسها للزحام والضجيج والتهافت على أساليب الحياة الغربية. ومن هنا وجد «ريلكه» في مصر اطمئنان القلب والروح، ولم يشعر مع هذا الاطمئنان الروحي أنه معزول عن حضارته الأوروبية.

كانت مصر خاضعة آنذاك للاحتلال البريطاني، وكان الخديو عباس حلمي الثاني هو حاكم البلد، وكان هذا الحاكم يكره الإنجليز ويشعر بالولاء للأتراك الذين كانوا في تلك الفترة يميلون إلى الألمان.

ولم تمض سنوات قليلة حتى اشتعلت الخرب العالمية الأولى، ووقفت تركيا مع ألمانيا في هذه الحرب، وعُزل الخديوي عباس حلمي الثاني بسبب مواقفه الموالية لتركيا وألمانيا في هذه الحرب.

ولا شك أن «ريلكه» وجد في مصر نوعاً من الترحيب والمودة، فقد كان هناك شعور عام بالعداء للاحتلال الإنجليزي والتعاطف مع الدول الأوروبية الأخرى التي كانت تتصدى للمطامع الإنجليزية وعلى رأسها ألمانيا.

والمؤكد أن ألمانيا لم تكن تعارض إنجلترا من أجل المبادئ الإنسانية، فقد كانت لها هي الأخرى مطامعها، ولكن المصريين لم يكونوا يشعرون آنذاك إلا بوطأة الاحتلال الجاثم على صدر البلاد.

عاد الشاعر الألماني من مصر بعد زيارته التي استمرت ما يقرب من 100 يوم، وقد حمل معه من هذه الزيارة تذكاراً عزيزاً هو نسخة من القرآن الكريم ظل يحتفظ بها حتى نهاية حياته.

ونعمت علوي هي ابنة أحمد خيري باشا وهو سياسي مصري من أصل تركي عمل وزيراً للمعارف في وزارة محمد شريف باشا بعد هزيمة الثورة العرابية ودخول الاحتلال الإنجليزي لمصر سنة 1882.

ابنة الوزير تخطف أمير الشعراء 

قضى «ريلكه» الفترة الأخيرة من حياته في سويسرا، وكان كثيراً ما ينزل ضيفاً على بعض الأمراء والنبلاء الذين كانوا يحبون شعره، ويعرضون عليه أن يعيش في قصورهم حيث يوفرون له ما يريد لنفسه من عزلة وابتعاد عن ضجيج الحياة والمجتمع.

وفي هذه الفترة الأخيرة من حياته، وفي فندق «سافوي» بمدينة لوزان السويسرية التقى الشاعر بفتاة مصرية اسمها نعمت علوي، وكانت جميلة ومثقفة وتنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية المصرية التي تعلمت تعليماً أوروبياً كاملاً.

وكان بعض أبناء هذه الطبقة يميلون إلى الحياة في العواصم الأوروبية المختلفة، حيث يجدون في هذه الحياة ما يحبونه من تحرر وانطلاق، فالحياة داخل مصر كانت تخضع لكثير من القيود بالنسبة للمرأة خاصة ما يتعلق بالخروج إلى الحياة العامة والمشاركة فيها.

كانت الفتاة التي التقى بها «ريلكه» من بين هؤلاء الذين ضاقوا بالقيود والتقاليد، واختاروا الحياة في المجتمع الأوروبي الحديث.

ونعمت علوي هي ابنة أحمد خيري باشا وهو سياسي مصري من أصل تركي عمل وزيراً للمعارف في وزارة محمد شريف باشا بعد هزيمة الثورة العرابية ودخول الاحتلال الإنجليزي لمصر سنة 1882.

وكانت ابنته متزوجة من أحد أبناء الطبقة الأرستقراطية ذات الأصول التركية واسمه عزيز علوي، ومن هذا الزوج أخذت اسمها الثاني على الطريقة الأوربية، واشتهرت بهذا الاسم وليس باسمها الأصلي وهو نعمت خيري.

عاشت «نعمت» في سويسرا بعد انفصالها عن زوجها الأول، وكانت تعرف الألمانية وتجيدها، وقبل أن تلتقي بالشاعر الكبير «ريلكه» كانت قد قرأت أعماله وأحبتها، وأحست بما في شعره من جمال وعمق، ولمس الشاعر قلبها بموهبته الفنية الرائعة.

وعندما التقاها «ريلكه» أحسا بالتفاهم المتبادل الذي سرعان ما انتهى إلى حب ملتهب بين الاثنين، وتوثقت العلاقة بينهما، وأصبحا لا يفترقان، بل وجد أمير شعراء ألمانيا في حبيبته المصرية أعظم تجربة عاطفية في حياته، ولكن سوء الحظ أحاط بهذه التجربة الكبيرة فمات الشاعر سنة 1926، وهو في الـ51 من عمره وهو في قمة نشوته الوجدانية والعاطفية مع حبيبته المصرية.

مرض غامض

ويذكر الدكتور بديع حقي في كتابه «ريلكه – أمير شعراء ألمانيا» نهاية هذه القصة الغريبة فيقول: «مات ريلكه بمرض حملته إليه نعمت علوي من زوجها السابق عزيز علوي، فحزنت عليه هذه الحبيبة اللدود القاتلة حزناً عظيماً، وعرفها أمير روسي الأصل اسمه نيقولاي متشرسكي فعطف عليها وقبلت به زوجاً، لتنسى ألمها العظيم بفراق ريلكه الأبدي».

غير أن سوء الحظ - كما يروي «حقي» - كان يلاحقها بغير هوادة، إذ لم يمض على زواجها غير أسابيع حتى أعلنت الحرب العالمية الثانية في 29 سبتمبر 1939، واضطر زوجها أن يلتحق بالجيش ويذهب إلى الحرب، وأن تذهب هي إلى نورماندي مع العائلات الفرنسية الهاربة، وماتت قبيل تحرير أوروبا، ولفظت أنفاسها وهي منكبة على صورة «ريلكه» ورسائله وكتبه.

حول أسباب الوفاة

ما قاله «حقي» عن المرض الذي قضى على «ريلكه» رد عليه الكاتب رجاء النقاش، موضحاً أنه إذا كانت نعمت علوي هي التي نقلت إليه المرض، فلابد أن يكون هذا المرض من الأمراض السرية، ولابد أن تكون هي نفسها مريضة به، ولم يكن لهذه الأمراض أي علاج في ذلك الوقت، لأنها ظلت من الأمراض الغامضة حتى تم اكتشاف البنسلين في أواخر الحرب العالمية الثانية، وقد عاشت «نعمت» بعد وفاة «ريلكه» أكثر من 15 عاماً، فكيف يقتل هذا المرض الشاعر الألماني ويبقى على حبيبته المصرية طيلة هذه الفترة؟

هناك رواية أخرى عن مرض أمير شعراء ألمانيا تقول إن الشاعر مات بمرض «اللوكيميا» وهو زيادة كرات الدم البيضاء، ويسمى أحياناً باسم «سرطان الدم» وهو مرض خطير قاتل، وهذا الرأي هو ما يميل إليه «النقاش».




المصدر

*كتاب «عباقرة ومجانين». رجاء النقاش.      *كتاب «ريلكه. أمير شعراء ألمانيا». بديع حقي.

0
3
0
0
0
0
0