تعرفت «غادة» عليه من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وكان يعمل في وظيفة مرموقة وله مركز اجتماعي جيد، أو هكذا اعتقدت في البداية.

شهور طويلة يتبادلان فيها الحديث عبر «الشات». حدث بينهما نوع من التقارب الفكري والعاطفي. «كان بيشبع احتياجي لأن فيه حد يحبني وبيهتم بيا في وقت كان عندي مشاكل وبتصدم في ناس كتيرة حواليا»، هكذ تحكي «غادة»- 26 عاما-  تجربتها لـ«شبابيك».

قررا اللقاء في الواقع أخيرا، وكانت المقابلة رائعة، ولكن شابها الكثير من علامات الاستفهام. تقول: «حسيت انه مختلف كتير عن الشات، لكن قولت لنفسي عشان بتشوفيه لأول مرة ومش واخده على ردود أفعاله».

اللقاء الثاني ثم الثالث وبدأت شكوكها تتأكد. تقول «عرفت أنه في مستوى اجتماعي أقل مما يرسمه، وبعد ما لمّحت له أننا ناخد خطوة جدية أو رسمية في العلاقة تهرب مني، واكتشفت أنه مرتبط بفتاة أخرى، وأنهي الموضوع وحذفني من فيس بوك».

هكذا انتهت كل الأحلام والأماني بضغطة زر.

«غادة» - وهو اسمها المستعار-  واحدة من فتيات وشباب كثيرون يدخلون في علاقات عاطفية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي؛ ورغم أنه موضوع شائع وقديم، لكن علم النفس الآن يعتبره علامة على الكثير من الاضطرابات النفسية التي يجب أن تعالج أولًا حتى يستطيع الإنسان تكوين علاقات صحية مع الطرف الآخر.

العلاقة مع اللاشيء

هذا النوع من العلاقات يسمية استشاري الطب النفسي الدكتور محمد طه، «العلاقة مع اللاشيء» كما يذكر في كتابه «علاقات خطرة».

هناك شعور كبير بالفراغ ثم حاجة شديدة إلى الاهتمام، والشعور بالسعادة والثقة بالنفس عندما يوجه لنا أحدهم بعض عبارات الإعجاب، ونوهم أنفسنا أننا في علاقة حقيقة، ولكننا في الواقع نرسم صورة من خيالنا لهذا الشخص المتخفي وراء «الشات» ونصبح في علاقة مع «اللاشيء» أو مع بعض التخيلات والأوهام.

علاقات الإنترنت غير كاملة

العلاقات الحقيقية تحتاج لمواقف وعشرة لنعرف الشخص الذي نتعامل معه، ولأن هذا لا يتحقق من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، نبدأ في إكمال الصورة الناقصة من وحي خيالنا؛ كما يفسر استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، الدكتور محمد هاني، في حديثه لـ«شبابيك».

فعندما نرى أن هذا الشخص يبادلنا الاهتمام، نتخيل أنه شخص شهم ويقف بجانبنا في المواقف الصعبة.

 وعندما نجده يتحدث بأسلوب راقي في «الشات» نتخيله في مستوى اجتماعي أو أخلاقي معين رغم أننا لم نختبره في الواقع أو نعرف ماذا يفعل في حالة الغضب الشديد مثلا.

ولأننا بحاجة شديدة وملحة للاهتمام، ولأن لدينا الكثير من الفراغ الذي لا نستثمره، نقنع أنفسنا أننا في حالة حب، ونقنع أنفسنا بأننا نتعامل مع حقيقة الشخص وليست الصورة التي رسمناها له.

والمشكلة الأكبر أننا لا نخدع أنفسنا وحسب، بل يساهم الطرف الآخر في اكتمال هذه الخدعة، فالعلاقة يشوبها التجمل وإظهار أحسن الصفات أو صفات ليست في هذا الشخص إطلاقا.

استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، الدكتور محمد هاني: «رأيت بعض النماذج لهذه العلاقات، تكتشف فيها الفتاة أن الطرف الآخر متزوج مثلا أو متعدد العلاقات».

أسس العلاقات الناجحة

العلاقات الحقيقية لها طابع مختلف تمامًا، فهي لا تقتصر على الانجذاب أو تبادل كلمات الحب والإعجاب، ولكن الحياة مواقف نكتشف فيها شخصية الآخر. هل يستطيع أن يكون بجانبنا في الظروف الصعبة؟ ماذا يفعل في أوقات الخلاف والغضب الشديد؟ هل يسيء إلينا ويجرح مشاعرنا أو يهيننا أم يتمسك بنا؟

  • كيف تختبر جدية العلاقة؟

«مش أي حد يقولك كلام حلو يبقى ده خلاص حب»، هكذا يحذر استشاري العلاقات الأسرية والصحة النفسية الشباب والفتيات، فإذا وجدوا أنفسهم في علاقة مثل هذه فيجب أن يتأكدوا من جدية الطرف الآخر في الزواج.

والجدية هنا لا تعني مجرد الوعد بالزواج، ولكن خطوات يجب اتخاذها على أرض الواقع كأن يقابل الشاب والد الفتاة ويعرفها على أهله.

والخطوة الأخرى هي أن تنتقل هذه العلاقة للواقع، بشرط أن تكون على أساس من المصارحة والرغبة الحقيقية في اكتشاف الآخر والدخول معه في مجتمعه حتى نرسم صورة صحيحة عنه؛ كما ينصح «هاني».

ضحايا علاقات الفيس بوك

شباب وفتيات مفتقدون للاحتواء مع الكثير من الفراغ، هؤلاء هم الضحية المثلى لهذا النوع من العلاقات.

هؤلاء بحاجة لأن يندمجوا في الحياة من جديد، ويتعاملون مع شخصيات في الواقع لتكوين صداقات حقيقية تصبح سندا ودعمًا نفسيا لهم، فلا يكونوا متعطشين للكلام المعسول الذي يغذي لديهم الشعور بالأهمية؛ كما يقول استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية.

شيء آخر يحتاجه هؤلاء الشباب والفتيات وهو بناء الثقة في النفس، من خلال وتطوير أنفسهم سواء في العمل أو الهوايات، فهذا سيغذي لديهم الشعور بالأهمية ويبني لديهم ثقة كبيرة في النفس، لن يحتاجوا معها لفعل أي شيء من أجل الحصول على كلمات حب زائفة تعيد لهم ثقتهم بأنفسهم.




3
0
0
0
0
0
0