لا أحد يعرف موعد يوم القيامة، ولكن في مصر قبل ما يقرب من 300 سنة، عرف الناس موعد القيامة وصدقوه. كيف حدث هذا؟ وماذا فعل المصريون وقتها؟ إليك القصة كاملة كما حكاها المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي.

القيامة بعد يومين

نتيجة بحث الصور عن عصر المماليك

في يوم الأربعاء 7 مايو عام 1735، أواخر حكم المماليك في مصر، انتشرت إشاعة بأن القيامة قادمة بعد يومين، وبالتحديد في يوم جمعة، وهو الذي يعتقد المسلمون أن القيامة فيه بنص الحديث النبوي.

وصلت الإشاعة حتى القرى والأرياف، وصار كل من صدق الإشاعة يودع رفيقه، وخرج كثيرون إلى الحدائق والمتنزهات يقولون لبعضهم: دعونا نستمتع قليلاً قبل قيامتنا.

أما أهل الجيزة، فيذكر المؤرخ أنهم خرجوا من بيوتهم رجالاً ونساءً، ونزلوا إلى النيل، يغتسلون فيه كي ينسوا مصيبتهم.

وبعض الناس أصابهم الهم والحزن الشديد، فاعتزلوا يصلون ويبتهلون إلى الله، يريدون أن يتوبوا قبل الحساب.

جدل حتى النهاية

صورة ذات صلة

هناك من رفض تصديق الأمر أيضًا ورأى أنه كذب وخرافة، فيجد من يرد عليه من عامة الناس، يؤكدون أن الولي اليهودي فلان قال هذا، وهو خبير في التنجيم ومعرفة الطالع والغيب.

بل إن أحد الأولياء ذهب إلى أمير من سادة البلاد، وقال له احبسني عندك حتى يوم الجمعة، وإن لم تقم القيامة اقتلني، كأنه يؤكد على صدقه.

 ظل الناس في هذا الجدل والوساوس، حتى مر يوم الجمعة بسلام، وفي صباح السبت خرج الناس يفسرون الموقف، لكنهم لم يقولوا بأنها كذبة.

انتشرت شائعة أخرى بأن الأولياء الصالحين أنقذوا مصر من البلاء، وقال الناس: «سيدي أحمد البدوي، والدسوقي، والشافعي تشفعوا عند الله وقد تقبل شفاعتهم، فالحمد لله بأن رزقنا بركتهم لينقذونا من ذنوبنا، فنحن لم نشبع من الدنيا بعد».

أكاذيب أخرى

نتيجة بحث الصور عن العصر المملوكي

يقول المؤرخ جمال بدوي، إن تفسير الكذبة كان مقنعًا لعامة الناس، فعندما سمعوا اسم «الدسوقي» و«البدوي» أعتقدوا أن الأمر سهل على هؤلاء الأولياء، فهم قادرون على التدخل في شئون الكون وتأجيل يوم القيامة.

وقد اعتاد الناس تصديق هذه الحكايات عن أولياء الله باسم الكرامات والمعجزات، فلا يمر يوم دون أن يسمع أهل القاهرة عن ولي يطير بلا جناحين، أو شيخ يطوف حول العالم في غمضة عين، بل وادعى بعضهم قدرته على قراءة اللوح المحفوظ.

ويحكي «الجبرتي» عن أحد هؤلاء واسمه الشيخ محمود الكردي الخلوتي، فقد كان يزعم رؤيته للنبي محمد كثيرًا في المنام، ربما بشكل يومي، بل إنه يرى الله نفسه، ويقول له: يا محمود إني أحبك وأحب ممن يحبك، فكان الشيخ يقول عن نفسه: من أحبني دخل الجنة.

الشيخ صادومة

نتيجة بحث الصور عن العصر المملوكي

مثال آخر مهم في ذلك الوقت هو الشيخ أحمد صادومة، وأصله من سمنود، كان رجلاً مسنًا ذو هيبة وشيبة، واشتهر بقدرات خارقة كتحريك الأشياء دون لمسها، وكشف الحجاب ومخاطبة الجان.

وصلت شعبية الشيخ صادومة إلى مفتي الشافعية في مصر الشيخ حسن الكفراوي، وراح يذكره بالخير في كل مكان، حتى عند الأمراء والحكام، ومع هذا كانت نهاية الشيخ صادومة على يد واحد منهم، يدعى الأمير يوسف بك الكبير.

ففي أحد المرات، اختلى الأمير بواحدة من جواريه، ولكنه اكتشف في ذهول وجود كتابات على الأماكن الحميمة في جسدها، فهددها بالقتل إن لم تعترف بالحقيقة، هنا أخبرته الجارية بأنها ذهبت للشيخ صادومة الذي كتب على جسمها كي يحبها سيدها.

ولأن الأمير يوسف بك الكبير كان كارهًا لكل هؤلاء الشيوخ الدجالين، فقد ارتدى ملابسه فورًا، وذهب غاضبًا إلى بيت الشيخ صادومة، وظل يضربه حتى مات، ثم راح يفتش شقته وأخرج منها أدوات السحر والشعوذة، ومنها تماثيل مشينة خرج بها إلى الناس وصرخ: أنظروا أفاعيل المشايخ!

لماذا صدّق الناس؟

صورة ذات صلة

يفسر المؤرخ المصري جمال بدوي تصديق الناس لكل هذه الخرافات، بانحدار الثقافة والعلم في هذا الوقت، أواخر العصر العثماني المملوكي، فقد انحطت الأخلاق، وتكاسلت العقول عن الفهم.

أما في الدين، فقد توقف العلماء عن الابتكار والتجديد، واقتصروا على تقليد الأسلاف، واختفت حركة العلوم واكتشاف الكون، في الوقت الذي بدأت فيه أوروبا تهتم بالعلم والمعرفة الصحيحة.



5
7
-1
0
0
0
1