حديثنا اليوم أيها الأحباب عن آية مكرر نصفها الأول مرتين في القرآن، الموضع الأول في سورة البقرة حيث يقول الله تعالى: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» [البقرة: 146] والموضع الثاني في سورة الأنعام حيث يقول الله تعالى: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ».

يخبر الله تعالى في الآيتين السابقتين أن أهل الكتاب يعرفون صفات النبي -صلى الله عليه وسلم- وصدقه ورسالته كما يعرفون أبناءهم.

قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام إن الله قد أنزل على نبيه «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ» فكيف هذه المعرفة؟ قال عبد الله: يا عمر، لقد عرفته حين رأيته كما عرفت ابني، ومعرفتي بمحمد -صلى الله عليه وسلم- أشد من معرفتي بابني، فقال عمر: كيف ذلك؟ فقال أشهد أنه رسول الله حق من الله تعالى، وقد نعته الله في كتابنا، فقال عمر وفقك الله يا ابن سلام فقد صدقت.

وقد وصف الله تعالى أهل الكتاب أنهم يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم ولم يصفهم كما يعرفون أنفسهم؛ لأن الإنسان يعرف ابنه أول ما يولد، لكنه لا يعرف نفسه إلا بعد فترة.

فالإنجيل والتوراة في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- كانا فيهما صفته.

وتحكي صفية بنت حيي بن أخطب فتقول: لم يكن من ولد أبي وعمي أحدٌ أحب إليهما مني، لم ألقهما قط مع ولد لهما أهش إليهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قباء نزل قرية بني عمرو بن عوف، غدا إليه أبي وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين، -في ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح- فوالله ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس، فجاءانا فاترين كسلانين ساقطين، يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما نظر إلي واحد منهما، فسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: تعرفه بعينه وصفته؟ فقال: نعم والله، قال: فماذا في نفسك منه، قال: عداوته والله ما بقيت!

ونتعلم من هذا الموقف أيها القراء أن كثيرًا من الناس يعلمون الحق لكن يتكبرون عن اتباعه، فنريد أن نبتعد عن الكبر؛ فهو خُلُق إبليس لعنه الله، ونريد أن نقبل الحق من أي إنسانٍ يقدمه لنا، سواء كان كبيرًا أم صغيرًا، غنيًا أم فقيرًا، عظيمًا أم حقيرًا.

بقلم: إبراهيم الديساوي

 



0
0
0
0
0
0
0