انتهت دولة الأمويين في المشرق، بعد أن روى العباسيين بدماء الكثير من أمرائها ورجالها أرض دمشق. مضى العباسيون يتعقبون الأمويين في كل مكان، حتى أفنوا عددًا كبيرًا منهم، وتفرق من بقي أو كُتبت له النجاة في أنحاء البلاد.

واستطاع عبدالرحمن بن معاوية بن هشام، الفرار من العباسيين، وذهب إلى الأندلس ليجدد دولة الأمويين بها عام 138 هـ، واستمرت فترة حكمه، نحو 33 عاما. واشتهر بلقب «عبدالرحمن الداخل».

من هو عبدالرحمن الداخل؟

وُلد في 113 هـ، و731 م، وهو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبدالملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.

حكم الأندلس 33 عاما وهو لم يتجاوز سن الأربعين بعد، واستمرت لأحفاده حتى سنة 400 هجرية. لقبه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بصقر قريش.

فراره من العباسيين

عندما علم «الداخل» بمقتل أخيه لم يجد أمامه غير الهرب، فعزم على الفرار إلى إفريقيا لبعدها عن مقر الخلافة، وصعوبة وصول أنصار الخليفة العباسي إليها، وشجعه على ذلك أن كثيرًا من أمراء بني أمية سبقوه في الفرار إليها.

مقتل أخو عبدالرحمن الداخل

خرج الداخل مع أخ له صغير السن –لم يتجاوز الثالثة عشرة- وبعض أهله، واتجه إلى رجل من معارفه فطلب منه أن يشتري له عددًا من الدواب، ويهيئ له ما يتزود به في سفره، ولكن بعض عيون العباسيين دلوا عليه، فانطلقوا خلفه؛ فخرج حتى وصل إلى شاطئ الفرات، فأحاطت به خيول العباسيين، فألقى بنفسه في الماء ومعه أخوه، وانطلقا يسبحان نحو الشاطئ الآخر، وكان الشاطئ بعيدًا، فأخذ عبد الرحمن يسبح بقوة وحماس وكان يجيد السباحة، بينما بلغ أخاه التعب وهو في منتصف النهر، وخشي الغرق، ففترت عزيمته، وأراد العودة إلى الشاطئ، وهم يخدعونه وينادونه بالأمان، فراح عبد الرحمن يناديه ويحثه على السباحة، ويحذره من غدر العباسيين وخداعهم، إلا أنه بلغ من التعب والإجهاد ما جعله يغتر بأمانهم فرجع إليهم، وما كاد يصل إليهم وتتلقاه أيديهم، حتى أحاطوا به بعد أن تمكنوا منه، وضربوا عنقه أمام أخيه، وهو ينظر إليه، ولا يملك له شيئًا.

ظلت تلك الصورة لمصرع أخيه محفورة في ذهنه، تلهب حماسه للثأر من العباسيين والانتقام لأخيه الصغير الذي ذبحوه أمام عينيه.

الطريق إلى الأندلس

درس عبد الرحمن الداخل أحوال الأندلس بعناية ليتحين الفرصة المناسبة للعبور إليها.

واستطاع بمساعدة مولاه «بدر» الاتصال بعدد كبير من الموالين للأسرة المروانية وأنصار الأمويين في الأندلس، وراح يوثق علاقاته بكل خصوم العباسيين في تلك البلاد؛ فالتف حوله عدد كبير من المؤيدين، وكسب المزيد من الأنصار خاصة من جماعات البربر، الذين وجدوا فيه الأمل لاستعادة نفوذهم، وعقدوا عليه الرجاء في التخلص من الأوضاع المتردية التي صاروا إليها.

وتجمع حول «الداخل» أكثر من ثلاثة آلاف فارس، كلهم يدين له بالولاء، ويوطن نفسه على أن يقتل دونه.

وتقدم نحو «قرطبة» عاصمة الأندلس، إلا أن والي قرطبة يوسف بن عبد الرحمن الفهري، استعد لقتال عبدالرحمن الداخل.

أول حرب للداخل في الأندلس

كان يوسف الفهري كبير السن ضعيف البنية، فكان اعتماده على زعيم قبائل مُضر الصُّميل بن حاتم الذي قرر أن يستعين بأهل السوق للاشتراك في القتال، فخرجوا يحملون العصي والسيوف، وخرج الجزارون بسكاكينهم وأرباب الحرف بآلاتهم.

وأصبح «الصُّمَيل» هو القائد الأعلى لقوات يوسف الفهري وموضع ثقته، ومحل مشورته. وسعي «الصُّمَيل» إلى المكر والخداع، ورأى في صغر سن عبدالرحمن الداخل وقرب عهده بزوال ملك آبائه ما يغريه بالرضا بالأمان والقناعة بالنعمة ورغد العيش بدلاً من حياة الأخطار والصعاب التي يواجهها، فأشار على يوسف الفهري أن يغري عبد الرحمن بالزواج من ابنته ويجعله واحدا من قواده ليأمن جانبه ويتقي خطره، ولكن فشلت تلك الحيلة، ولم يعد هناك من سبيل غير الحرب.

بداية دولة الأمويين في الأندلس

التقى جيش الداخل والفهري، بالقرب من قرطبة، وبالرغم من صغر سن عبد الرحمن الداخل الذي لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره، فإنه أبدى من المهارة والفروسية والقيادة ما جعله يتمكن من إحراز انتصار حاسم والتغلب على قوات عبد الرحمن الفهري وإلحاق هزيمة منكرة بجيشه.

ودخل عبد الرحمن قرطبة فصلّى بالناس، وخطب فيهم، فكان ذلك بمثابة إعلان ميلاد الدولة الأموية في الأندلس، وبويع له بالخلافة في 10 من ذي الحجة 138هـ، 18 من مايو 756م، ليصبح أول أموي يدخل الأندلس حاكمًا، ويطلق عليه ذلك اللقب الذي عُرف به عبدالرحمن الداخل، ومؤسس تلك الدولة الفتية التي أصبحت حضارتها منبعًا لحضارة أوروبا الحديثة، وظلت منارًا للعلم والمدنية عبر قرون طويلة من الزمان.

ماذا قدّم عبدالرحمن الداخل؟

حين استتبَّ الأمر لعبدالرحمن الداخل في أرض الأندلس، وبعد أن انتهى نسبيا من أمر الثورات، بدأ يفكر فيما بعد ذلك، فكان كالأتي:

إنشاء جيش قوي

اعتمد في تكوين جيشه على عناصر المولَّدين، وهم الذين نشأوا نتيجة انصهار وانخراط الفاتحين بالسكان الأصليين من أهل الأندلس، كما اعتمد على كل الفصائل والقبائل الموجودة في بلاد الأندلس.

كما ضم المماليك من غير العرب لا سيما البربر، حتى صار له منهم أربعون ألفًا، وبهم استقرَّ ملكه.

واعتمد أيضا على الصقالبة؛ وهم أطفالٌ نصارى كان قد اشتراهم عبد الرحمن الداخل من أور,با، ثم قام بتربيتهم وتنشئتهم تنشئةً إسلامية عسكرية.

وبرغم قدوم عبدالرحمن الداخل إلى الأندلس وحيدًا، فقد وصل تعداد الجيش الإسلامي في عهده إلى مائة ألف فارسٍ.

إنشاء المصانع ودور الأسلحة

أنشأ عبد الرحمن الداخل دورًا للأسلحة؛ فأنشأ مصانع السيوف ومصانع المنجنيق، وكان من أشهر هذه المصانع مصانع طُلَيْطلَة ومصانع برديل.

أسطول بحري قوي

وأنشأ الداخل أيضا أسطولاً بحريا قويا، إضافة إلى إنشاء أكثر من ميناء؛ كان منها ميناء طُرْطُوشة وألمَرِيَّة وإشبيلِية وبرشلونة.

تقسيم ميزانية الدولة

كان عبد الرحمن الداخل يقسم ميزانية الدولة السنوية إلى ثلاثة أقسام: قسم يُنفقه بكامله على الجيش، والقسم الثاني لأمور الدولة العامَّة من مؤن ومعمار ومرتبات ومشاريعَ وغير ذلك، والقسم الأخير كان يدَّخره لنوائب الزمان غير المتوقعة.

الاهتمام بالعلم والدين

أعطى عبدالرحمن الداخل العلم والجانب الديني المكانة اللائقة بهما؛ فعمل على الآتي:

- نشر العلم وتوقير العلماء.

- اهتم بالقضاء والحسبة.

- اهتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

- كان من أعظم أعماله في الناحية الدينية بناء مسجد قرطبة الكبير، والذي أنفق على بنائه 80 ألف دينار ذهبي، وقد تنافس الخلفاء من بعده على زيادة حجمه؛ حتى تعاقب على اكتماله في شكله الأخير ثمانية من خلفاء بني أمية.

وكان من العلماء في أيامه معاوية بن صالح الحضرمي ، وكان من أهل العلم ومن كبار المحدثين، وقد أخذ عنه جملة من الأئمة؛ منهم: سفيان الثوري وابن عيينة والليث بن سعد ويذكر أن الإمام مالك روى عنه حديثاً ، وكان عبد الرحمن الداخل قد ولاَّه القضاء.

وكان من علماء الأندلس في عهده -أيضًا- سعيد بن أبي هند، والذي لقبه الإمام مالك بن أنس بالحكيم؛ لما عُرف عنه من رجاحة عقله.

العناية بالجانب الحضاري

- اهتمامه الكبير بالإنشاء والتعمير، وتشييد الحصون والقلاع والقناطر، وربطه أول الأندلس بآخرها.

- إنشاؤه الرُّصَافة، وهي من أكبر الحدائق في الإسلام، وأنشأها على غرار الرصافة التي كانت بالشام، والتي أسسها جده هشام بن عبدالملك -رحمه الله- ، وأتى لها عبدالرحمن بالنباتات العجيبة من كل بلاد العالم.

الداخل والشعر

كان عبد الرحمن شاعرًا، وله شعر مشهور منه هذه الأبيات التي تعبر عن شوقه لربوع الشام التي نشأ فيها، حيث قال:

أيها الركـب الميــمم أرضي       أقر من بعضي السلام لبعضي

إن جسمـي كما علمت بأرض           وفــؤادي ومـالـكيــه بأرض

قـدّر البيـــن بيننـا فافترقنا         وطوى البين عن جفوني غمضي

قد قضى الله بالفراق علينا         فعسى باجتمـاعنا سوف يقضي

وفاته

توفي عبد الرحمن الداخل في 24 ربيع الآخر عام 172 هجريا، وترك من الولد أحد عشر ولدًا منهم سليمان وهو أكبر ولده، وهشام والمنذر ويحيى وسعيد وعبد الله وكليب، ومن البنات تسع، ودفن في قصر بقرطبة.




المصدر

*كتاب الأمويون بين الشرق والغرب      *كتاب صقر قريش لعلي أدهم.

0
1
0
0
0
0
0