لأهمية الحكمة ومكانتها في الحياة، ذكر الله تعالى في كتابه وصايا رجل حكيم لابنه، بل سمَّى السورة التي فيها وصاياه باسمه، إنها وصايا لقمان الحكيم.

يقول المؤرخون: وُلِد في نوبة مصر، وكان قصيرًا وأسود البشرة وعظيم الشفتين. وهذا يدلنا على أن الحكمة والفراسة لا ترتبط بلونٍ معينٍ ولا جنسٍ معين، وأنَّ الله لا ينظر إلى صورنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا.

ينبغي لمن ابتلاه الله بسوادٍ أو قصرٍ أو أي شيء يعيبه الناس أن يرضى ويعلم أن العلم والأخلاق هما اللذان يرفعان مكانة الإنسان عند الله وعند الناس وليس جمال الوجه والجسد، فقد جاء أسودٌ إلى سعيدِ بن المسيب يسأله، فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر، ولقمان الحكيم.

وقد وقف رجل على لقمان الحكيم فقال: أنت لقمان؟ أنت عبد بني الحسحاس؟ قال: نعم، قال: فأنت راعي الغنم الأسود، قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك، قال: يا ابن أخي، إن صنعت ما أقول لك كنت كذلك، قال: ما هو؟ قال لقمان: غضي بصري، وكفي لساني، وعفة مطعمي، وحفظي فرجي، وقيامي بعدتي، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيرني كما ترى.

ومما يدل على حكمته أن مولاه جاءه ذات يومٍ وقال له: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، فقال: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، فمكث ما شاء الله، ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، فقال: أخرج أخبث مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما، فقال لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.

يقول الله تعالى: }وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ{ أي: أمرناه أن يشكر الله عز وجل، على ما أتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل الذي خصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه.

 }وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ{ أي: إنما يعود نفع الشكر على صاحبه، }وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ{ فالله لا يتضرر بكفر الكافرين ولا جحود الجاحدين إنما هو من يتضررون.

ثم حكي الله تعالى لنا وصاياه لابنه، فقال سبحانه: }وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{ وبدأ بالشرك لخطورته ولأن كل الأعمال الصالحة بعده لا تفيد صاحبها يوم القيامة.
ثم أتبع تحذيره من الشرك أمره ببر الوالدين فقال تعالى: }وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ{، وقد قرن الله تعالى ذكرهما في كتابه في سورة الإسراء فقال: }وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا{ [الْإِسْرَاءِ : 23]، ثم ذكر تعالى ما يدل على عناء الأم من أجل ابنها فقال سبحانه: }حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ{  ثم أمره بشكر الله، وقرن شكره سبحانه بشكر والديه، وقيل: الشكر لله على نعمة الإيمان، وللوالدين على نعمة التربية، فقال تعالى: }أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ{.

ثم أمره بطاعة الوالدين إلا في الإشراك بالله ومعصيته، والإحسان إليهما ولو حتى أمراه بذلك، فقال تعالى: }وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا{ ثم أمره باتباع سبيل المؤمنين، وذكره بأننا كلنا سنرجع إلى الله فقال تعالى: }وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ{.

ثم ذكر الله تعالى وصية أخرى من وصايا لقمان لابنه فقال سبحانه: }يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ {يقول الإمام ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: ينهاه عن ظلم الناس ولو بحبة خردل فإن الله يسأل عنها ويحضرها حوزة الحساب، ويضعها في الميزان.

ثم ختم الله تعالى الآية خاتمة فيها تذكير أن الله تعالى مع لطفه فإنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فقال سبحانه: }إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ{.

ثم ذكر الله تعالى وصايا أخرى من لقمان لابنه فقال سبحانه: }يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور{ يقول الشيخ المراغي في تفسيره للآية: طلب منه أن يكون يافعًا للخلق، وعضوًا مفيدًا في الجماعة الإنسانية، وهو واجب على كل واحد، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أثر من آثار الإيمان، وحب الفضيلة وأساس من أسس صلاح المجتمع الإنساني، كما أوصاه بالصبر على ما يناله من الناس من أذى إذا أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر، ويجوز أن يكون في كل ما يصيبه من المحن والصبر على شدائد الدنيا من الأمراض وغيرها، وأن لا يجزع أو يعصي الله.

ثم نهى لقمان ابنه عن التكبر على الناس؛ لأنه الله لا يحب المُعجب بنفسه المفتخر على غيره، قال تعالى عن وصيته السابقة الذكر: }وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور{.

ثم ذكر الله تعالى لنا الوصية الأخيرة من لقمان لابنه فقال سبحانه: }وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ{ قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي : امش مشيا مقتصدا ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلا وسطا بين بين، ولا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه. قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير، أي: غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه.

نريد أن نعمل بهذه الوصايا فهي وصايا عظيمة ذُكرت من حكيم لابنه، ولأهميتها خلَّدها الله تعالى في كتابه إلى يوم القيامة.

بقلم الشيخ: إبراهيم الديساوي



0
0
1
0
0
0
0