لا تتوقف أهمية المرحلة الثانوية على الجانب الدراسي وكونها محطة أساسية ترسم مستقبل الفرد العلمي والعملي، ولكنها أيضاً تمثل وعاءً تتشكل فيه ملامح الشخصية وتوجهاتها في الحياة.

من هذا المنطلق مثلّت تلك المرحلة أهمية خاصة في حياة الأدباء والمفكرين الذين وضعوا أقدامهم على بداية مشوارهم الأدبي في هذه الفترة. «شبابيك» يسرد كيف عاش توفيق الحكيم ونجيب محفوظ مرحلة الثانوية العامة والتي كانت تسمى بالبكالوريا، وما الآثار التي تركتها في حياتهم وذلك من واقع سيرهم الذاتية.

توفيق الحكيم

كانت البكالوريا محطة لالتحاق توفيق الحكيم بكلية الحقوق ودراسة القانون. في سيرته الذتية التي منحها اسم «سجن العمر» ذكر أنه في آخر العام الدراسي من مرحلة الكفاءة، عرضوا عليه اختيار القسم الذي سيلتحق به بعد شهادة الكفاءة، فاختار بلا تردد القسم الأدبي، إذ لم يكن يتصور نفسه طبيباً ولا مهندساً، فـ«أنا أتقزز من رؤية الدم، ولا أحب النظر إلى المرضى».

حاول «الحكيم» أن يغري صديقه عباس حلمي النعمان بالقسم الأدبي فأبدى ارتياحه في أول الأمر، ثم عاد فسجل اسمه في القسم العلمي، نزولاً على إرادة أبيه المصّر على أن يراه طبباً، أما والد «الحكيم» فقد وجد اختيار ابنه طبيعياً ومتفقاً مع إرادته أن يسلك مسلكه في القضاء.

يقول «الحكيم»: «نجحنا وحصلنا على الكفاءة ووجهنا وجوهنا شطر البكالوريا. في تلك المرحلة كنا نقبل على المطالعات الجادة العميقة، وأذكر أني اشتريت من مصروفي كتاباً تُرجم إلى العربية للفيلسوف سبنسر في الأخلاق.. وكنت أشعر بالزهو أني أقرأ في الفلسفة، وإن كنت لا أصدق أني فهمت شيئاً يذكر من هذا لكتاب وأمثاله من الكتب الجافة الجادة، إلا أنه كانت نزعة تلك المرحلة، بعدما انتهى اهتمامي بقراءة الروايات وقصص المغامرات».

وتابع «انتقل حديثي أيضاً مع زملائي عن المسرحيات التي كنت أهتم بها إلى المناقشة والمجادلة في موضوعات فكرية وفلسفية، على أن هذا الميل لم يمس بعد منطقة المعتقدات أو ما وراء الطبيعة، بل كان يدور كله حول مسائل عاطفية».

 

نجيب محفوظ

وفي سيرته الذاتية التي دونها الناقد الأدبي رجاء النقاش في كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» ذكر أديب نوبل أنه طوال دراسته الثانوية كانت علاقته بوالده طيبة للغاية، ولم يسمع منه أي عبارة لحثه على الدراسة أو أي إنذار أو عقاب في حالة إهماله لدروسه. يقول: «لم يقل لي شيئاً من هذا القبيل، لأنه كان يلاحظ اهتمامي بالتعليم وحرصي على التحصيل».

وعندما وصل إلى الشهادة العليا في آخر المرحلة الثانوية، وكان اسمها «البكالوريا»، كان أمل والده أن يلتحق بكلية الحقوق أو الطب، ليكون إما وكيل نيابة أو طبيباً، فهاتان الوظيفتان في رأيه هما أحسن وظيفتين في مصر.

لذلك أصيب والد نجيب محفوظ بصدمة عندما أخبره أنه ينوي الالتحاق بقسم الفلسفة بكلية الآداب، وقال له: «يا ابني التحق بكلية الحقوق تصبح مثل ابن عمك وكيلاً للنيابة، تمشي ووراءك عسكري».

ودارت بينهما مناقشات كثيرة حول هذا الأمر، وكانت المناقشة الديمقراطية بين الآباء والأبناء في ذلك الوقت أمراً غريباً، لأنه في إمكان الأب حسم أي مشكلة بكلمة واحدة وتنتهي فوراً، ولكن يبدو أن كثرة عدد أولاده (4 بنات و3 أولاد) علّمت أبيه المرونة.

والحقيقة أن التحاقه بكلية الآداب كان شيئاً غريباً بالنسبة لكل المحيطين به، لأنه كان متفوقاً في الرياضة والعلوم، حتى أنه عندما اختار القسم الأدبي في «البكالوريا» احتج المدرسون وقالوا له: «ما الذي فعلته بنفسك؟»، وكأنه ارتكتب جريمة.

كانت وجهة نظرهم أنه متفوق في المواد العلمية، بل كانوا يراهنون عليه طول دراسته، وكان عندهم حق لأنه كان ينجح بصعوبة في المواد الأدبية، خاصة الجغرافيا والتاريخ واللغتين الإنجليزية والفرنسية، ويحصل بمشقة على «الميديوكر» أو الدرجة المتوسطة، والمادة الأدبية الوحيدة التي تفوق فيها هي اللغة العربية.

ورغم تلك الاحتجاجات دخل نجيب القسم الأدبي، ونجح في البكالوريا عام 1930، وكان عدد طلابها آنذاك حوالي 20 ألفاً، وحصل على مجموع 60% وجاء ترتيبه العشرين على المدرسة، وبهذا المجموع كان في إمكانه الالتحاق بكلية الحقوق مجاناً، ولكنه فضل كلية الآداب قسم الفلسفة.

يقول نجيب محفوظ: «حصلت من والدي على مكافأة النجاح في البكالوريا وكانت عشرة جنيهات، لأقضي إجازة الصيف في الإسكندرية، وأصيب عمي بالذهول لضخامة المكافأة، وعاتب والدي بشدة».

 



المصدر

كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ».رجاء النقاش.

كتاب «سجن العمر».توفق الحكيم.

0
0
0
0
0
0
0