الطعام يؤكل ويؤرخ، هكذا عرفت الشعوب العربية وبدأت تبحث في الأرجاء على مكونات لأطباق مميزة تأتي من قلب كل بيئة، وتحفظ طابع أهل بلدها. من قلب الصحاري، ووسط المراعي الخضراء، بالقرب من ضفاف الأنهار كانت الأطباق الشهية التي تسد جوع البطون وترضي النفوس، من رغبة ملحة إلى فن وذوق.

وراء كل طبق حكاية وفي كل وجبة عرف وتقليد ارتضاه أهل البلد الذين احتدم الخلاف بينهم حينًا حول طرق طهي بعض الأطباق، بينما يضفي كل بلد من روحه على طعامه.

في جولة بعدد من المطابخ العربية التي تشتهر بالاحتفاء بالطعام نرصد في هذا التقرير من «شبابيك» بعض الأكلات المثيرة للجدل في حكايتها وأصلها، وبين الصراع والتراضي بدا الموقف أكثر غرابة، ولكن لا خلاف حول المذاق الرائع والنكهة الخاصة والرائحة التي تجذب محبي الطعام وترغمهم على الوقوع أسرى في تلك التتبيلة الممزوجة بثقافة صانعيها.


«الكسكسي».. أكلة قليلة الأصل

طحين على شكل حبيبات يطبخ على البخار، ويقدم باللحم أو بالخضار، وأحيانًا بالحليب أو بالزبد الساخن والسكر، طرق وأشكال عدة تقدم بها تلك الحبيبات المثيرة للجدل بين المغرب العربي حول أصل ذلك الطبق الذي تفرد له الموائد ويرص بدلال في العزائم ليتمركز في منتصف الطاولة يخطف الأنظار بالديك الرومي المتربع على عرشه والمكسرات التي تزينه وتزيد من حلاوة مذاقه.

اختلفت مسمياته وفق البلاد التي تتصارع لنسب الطبق لها، وفي الأساس «كسكسو» كلمة مشتقة من «سيكسو» وهي كلمة أمازيغية ومعناها الطريقة التي تحضر بها حبوب القمح الصغيرة الخاصة بطبق الكسكسي، وهو خلاف وصل إلى منظمة اليونسكو العالمية والتي لم تحسم الأمر بعد في هوية الطبق الذي تسعى شعوب المغرب العربي في إدراجه ضمن التراث العالمي.


وسيلة لتعزيز الروابط بين الشعوب فعلتها تلك الحبيبات التي ارتبط تقديمها في المناسبات الاجتماعية مثل الزواج، وفي المأتم حيث يقدم في أواني عادة ما تكون من الفخار لتحتفظ بالسخونة. وفي كتاب «تاريخ إفريقيا الشمالية» لـشارل جوليان، الرحالة المهتم بشمال أفريقيا وأرخ لكثير من ثقافات تلك الرقعة التي كانت نبع للحضارات، يقول إن «الكسكسي كان يقدم كطبق أول في الولائم، وكان وسيلة للترحيب بالغرباء، كنوع من التعرف على الهوية التي يستطيع الطعام القيام بها بجدارة».

يمزج الطحين مع السميد بطريقه جيدة ويتم فركهما بطريقة دائرية وحركة مستمرة إلى أن تتكون كرات الكسكس التي تطهى على مهل بالبخار، فلا تختلف المطابخ كثيرًا في تلك الطريقة ولكن التقديم هو ما يضفي روح البلد وثقافتها على الطبق ويجعل من نفس الوصفة عدة أطعمة شهية. باللحم والحمص والزعفران وحبات القرنفل يعده المطبخ المغربي، وبالدجاج والخضراوات ومعجون الطماطم يتميز المطبخ التونسي في صنع أشهى أطباقها، أما المطبخ الجزائري يفضل تقديمه مع لحم الغنم والزنجبيل الذي يضفي عليه مذاقا خاصا.

وفي مصر وصل الطبق صاحب الخلاف كطبق للتحلية بعدما أضيف له الزبد والسكر والقليل من القرفة التي تجعله أكثر تميزًا في التجمعات العائلية على سبيل الاختلاف ومزيد من الجدل حول تلك الأكلة «قليلة الأصل».


«كبسة الضبان».. طبق بنكهة الصحاري

«الضب قدم للوزاره شكية.. يقول أنا مظلوم وسط الصحاري.. الحيوانات تعيش هنية.. وأنا مع الكبسات تحت الكباري» قصيدة طريفة للشاعر السعودي فهد المبلغ، يتكلم بلسان حال الضب أو السحلية شوكية الذيل التي تعيش في الصحراء والبراري وتأكل النباتات، فتلتهمها البطون بصحبة الكبسة الشهية.

كبسة الضبان أحد الأطباق التي تقدم في السعودية فقط دون غيرها من البلدان العربية، وأرجع بعض المؤرخين بداية تناول لحم الضب إلى عرب الجاهلية ما قبل الفتوحات الاسلامية.

طعم مميز يجعل محب لحم الضب يذهب في رحلة صيد للصحاري قد تستغرق الساعات من أجل الإيقاع بضب شريد يبحث عن نبته صغيرة في جوف الأرض ليتغذى عليها، مزاج خاص يجعل من الرحلة ممتعة لسكان البادية الذين لا يجدون في شكله عائقا في تناوله.

الضب جسمه قصير وغليظ، ويتميز بأطراف تشبه أطراف الإنسان لونه يميل إلى الرمادي أو البني ويتخلله لون أصفر على الظهر، وذيلة مزود بحلقات شوكية يستخدمها ليدافع عن نفسه ضد حيوانات الصحاري.


الاختلاف حول فائدة تناول الضب لم يكن مشكلة أمام أصحاب المطاعم الذين قرروا التميز في تقديم ذلك الطبق الفريد والذي لا يقبل على تناوله الكثيرون، غير عابئين بنسل ذلك الزاحف، موقعين في الشباك كمية كبيرة تصلح للتخرين، إلا أنه تم افتتاح مطاعم مخصصة في تقديم كبسة الضب فقط والتي سرعان ما ذاع صيتها.

تطبخ كبسة الضب بالطريقة المعتادة في المطبخ السعودي ولكن الأمر مختلف في تهيئة الحيوان للأكل وهو أمر ليس باليسير، فبعد الصيد يتم سلخ الجلد وتقطيعه على شكل حلقات متساوية وكذلك الذيل الذي يعد من أهم مكونات الطبق، ثم يغسل ويصفى من الدماء ويوضع في إناء الطبخ الممتلئ بالماء الساخن بصحبة البهارات.

وبعد تمام النضج تشوح قطع اللحم مع البطل والثوم والفلفل الأسود والليمون المجفف، وبعدما يتغير اللون ترص قطع اللحم فوق طبق الكبسة مع الاهتمام بوضع الذيل على أطراف الطبق، وبالطبع أدخلت المطاعم التغيرات على تلك الوصفة التقليدية والتي جعلتها أكثر تميزًا.


«المنسف» على الحدود بين الأردن وفلسطين

بين دول الجوار كان الشجار حول الأمهر في إعداد طبق المنسف الشهي والذي لا يعرف أسراره سوى شعبي الأردن وفلسطين اللذان لم تباعد بينهما الحدود، فحمل المنسف لواء الطبق الوطني الأول بالأردن، بينما كان الطبق الأكثر شعبية في فلسطين حيث يطبخ في الأعراس، وهو مزيج من لحم الضأن والجميد المصنوع من اللبن والأرز وخبز الشراك مع الصنوبر.

يكمن سر ذلك المنسف في الجميد، وهو مصنوع من الحليب بعد تحويله إلى رائب ويتم تجميده على هيئة كرات مملحة، وأطلق عليه ذلك الاسم بسبب الحالة الجامدة التي يكون عليها والتي يمكن حفظها لفترات طويلة وعند الاستخدام توضع في الماء الساخن ثم توضع في الخلاط الكهربائي حتى يتم الحصول على سائل، وهناك الجميد الكركي المصنوع في الكرك بالأردن، والجميد الخليلي المصنوع في قرى الخليل في فلسطين.


يطبخ لحم الضأن في المرق وسائل الجميد ومزيج من البهار، ويقدم مع الأرز المطبوخ بالسمن البلدي في إناء كبير بأسفله خبز الشراك وهو خبز يتم إعداده على الصاج، ويزين الطبق بالصنوبر الذي يزيد من حلاوة مذاقه والقليل من البقدونس المفروم.

يرتبط المنسف بالبيئة الزراعية في الأردن وكذلك فلسطين حيث كثرة المراعي والتي يتوافر بها مكونات ذلك الطبق التراثي الذي ارتبط تقديمه في الأردن بطقوس خاصة قد تكون غير قائمة في الوقت الحالي، فكان يؤكل بطريقة تقليدية حيث يلتف الجميع حول طبق كبير واضعين أيديهم اليسرى خلف ظهورهم ويأكلون بأيديهم اليمنى دون استخدام الملاعق، حيث يعتبر استخدام الملعقة في أكل المنسف غير مقبول بحسب التقاليد.
 




1
0
0
0
0
0
0