عشرون عاما قضاها «عماد» في وزارة التربية والتعليم، في باكورة الصباح يخرج من بيته إلى مدرسته، في روتين يومي اعتاد عليه كمدرس لغة عربية بإحدى المدارس التجارية بالهرم. لم يكن «عماد» يعلم أن بعد تلك السنوات سيتم فصله من العمل، خاصة وأنه كان محب لعمله وللفتيات اللائي يلقنهن دروس اللغة العربية دون كلل.

علاقته بزملاء العمل كانت وطيدة جدًا، فلم يحدث يومًا وتشاجر مع أحدهم، بل كان دائمًا صوت الحكمة الذي يرجعون إليه في الكثير من المواقف والمشكلات التي تجابههم في العمل. فوجئ الرجل الخمسيني بسكرتير المدير يسلمه جوابا دون أن يوضح له الموقف، فقط أخبره بأنه مطلوب للتحقيق.

كثيرون في مصر كان مصيرهم مشابها لمصير  «عماد». الفصل من العمل بسبب الآراء السياسية المعارضة وذلك في الفترة التي أعقبت أحداث 30 يونيو وعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي.

عُرف عن «عماد» رأيه المعارض دائمًا والذي يعبر عنه في كل حين، في الفصل وحجرة المدرسين وحتى في الاذاعة المدرسية. الكثيرون من زملاءه في العمل حاولوا نصحه بأن يحتفظ بآرائه لنفسه ولا يشارك بها غيره، فالعمل ليس مكانا للحديث عن السياسة، ولكنه كان يستنكر ذلك، معللًا أن السياسة لا تنفصل عن أي شيء في الحياة.

ثلاثة أيام قضاهم في المنزل قبل موعد التحقيق. «كنت عارف خلاص إن دي النهاية»، قالها مستطردا: لم أشعر بالضيق خاصة وأنا أعرف أنني لم أرتكب أي خطأ، ولم أقصر في حق وظيفتي. انتهت التحقيقات بفصل  «عماد» عن عمله دون سابق إنذار أو تحذير.

 شهر واحد في المنزل كان كفيلا بأن يصيبه الاكتئاب، ولكنه سرعان ما بحث عن عمل آخر يدر عليه الأموال حتى تستمر الحياة، ولكن بعيدًا عن دروس الصرف التي برع في شرحها، ومسابقات الشعر التي كان دؤوبا على تدشينها .

هالة.. من المجال الحقوقي للصحافة

هالة، كانت تعمل في مركز حقوقي لرصد حالات الانتهاكات ضد المواطنين، وكان القائمون عليه من مؤيدي الرئيس الأسبق محمد مرسي، لافتة إلى أنه قبل أحداث 30 يونيو لم يكن هناك أي ملاحظات منهم على تقاريرها، التي أدانت مرسي في بعض الأحيان ومنها تقرير تحميل الرئيس الأسبق مسؤلية أحداث بورسعيد، التي اندلعت عقب الحكم في قضية استاد بورسعيد.

بعد 3 يوليو، تقول هالة «اسم مستعار»: بدأت الملاحظات على تقاريرها، والحديث عن أن هذا مؤيد وهذا معارض، مشيرة إلى رفض القائمين على المركز تحميل جماعة الإخوان مسؤولية أي حدث من أحداث الاشتباكات التي اندلعت عقب عزل مرسي.

تقدمت هالة بالاستقالة من المركز الذي أغلق أبوابه بعد أشهر من أحداث 30 يونيو، واتجهت للعمل في مجال الصحافة بعد ذلك، مؤكدة أنها غير نادمة على قرارها وسعيدة بموقفها.

رامي.. الحل في الكبدة

كان رامي سعيد يظن أن تلك الإصابة في قدمه ستكون وسام شرف له، خاصة بعد أن تم استقباله بحفاوة من قبل زملاءه في العمل بعد رجوعه من إجراء إحدى العمليات بعد إصابته إصابة بالغة في قدمه أثناء مشاركته في تظاهرات 28 يناير والتي عرفت بـ«جمعة الغضب».

أربع عمليات خضع لها على فترات متتالية والنتيجة عجز في القدم ولكنه على أي حال لن يؤثر على أدائه لعمله، حيث يعمل موظفا بإحدى شركات الاتصالات، واستمر في الذهاب لعمله وفي علاج قدمه على نفقة الدولة لكونه من مصابي الثورة، الذين يكن لهم الجميع الود والاحترام ويحظون بالمعاملة الطيبة في العمل والشارع.

لم يستمر الوضع كثيرًا فبعد أن اندلعت في البلاد احتجاجات ثانية تطالب برحيل الرئيس الأسبق محمد مرسي، انقلب وضع «رامي» الذي لم يشارك في تلك الاحتجاجات، وكان له رأي مخالف للوتيرة السائدة في تلك الأثناء ولكنه لم يشارك برأيه واكتفى بمتابعة الأحداث من بعيد.

قبل حلول الذكرى الأولى لأحداث 30 يونيو فوجئ «رامي» بقرار فصله وحجب بقية مستحقاته، استنكر ذلك الفصل غير المبرر والمفاجئ وقدم عددا من الشكاوى ومنها لوزير الاتصالات ولكن دون أي نتيجة، ولم يعرف حتى سبب الفصل التعسفي له ولعدد من زملائه، ولكن بعد التدقيق في الأمر عرف أن سبب الفصل له علاقة بالرأي السياسي.

«أنا حتى مكنتش بقول رأيي لأن شايف إن رأيي ملوش قيمة» قالها «رامي» مشيرًا إلى ندمه حتى على مشاركته في ثورة 25 يناير، وعلى تلك الإصابة والعجز الذي يعاني منه. طفلان بات مصيرهما غير معلوم لأن لوالدهما خلفية سياسية، فبعد التكريم والحفاوة التي كان يتلقاها في أي مكان، أصبح وجوده غير مرغوب فيه.

كيف سينفق على صغاره وهو صاحب إعاقة جسدية؟ ظل ذلك السؤال الملح يطارد «رامي» كثيرًا، حتى استقر إلى أن يفتتح مطعم والده القديم، ويتخذ من سندويتشات الكبدة لقمة عيش تكفي حاجاته، بمساعدة زوجته وأخيه. استطاع «رامي» أن يتغلب على تلك المحنة بصورة ظاهرية، ولكن مازال قلبه مكلوما كلما اشتد عليه ألم قدمه التي ضاعت دون مقابل.



0
0
0
0
0
0
0