لا يملك المار من أمام مجمع التحرير أو دار القضاء العالي أو حتى الحاج والمعتمر لبيت الله الحرام إلا أن يقف مذوهلاً أمام الإنشاءات الهندسية التي تشهد بعبقرية تصميم المجمع، والدار، وكذلك توسعة الحرمين الشريفين.

في كتابه «صنايعية مصر. مشاهد من حياة بعض بناة مصر في العصر الحديث» يروي عمر طاهر قصة المهندس محمد كمال إسماعيل (1908 – 2008) الذي صمم المشروعات الثلاثة.

مجمع التحرير

كان عدد طلاب مدرسة الهندسة الملكية 7 طلاب فقط. لفت كمال إسماعيل نظر أساتذته الأجانب فتم إرساله في بعثة إلي فرنسا عاد منها يحمل الدكتوراه في العمارة الإسلامية، ثم تسلم عمله مع نهاية الثلاثينيات في مصلحة المباني الأميرية، وهي التي كانت مسئولة عن بناء المصالح الحكومية.

ومع نهاية الأربعينيات أصبح مديراً للمصلحة الأمر الذي يعني أن لا شيء سيقف في طريق حلمه بتصميم مبني أشبه بمقر فرعي للدولة يضم معظم المصالح الحكومية، وحُدد له تكلفة مليون و200 ألف جنيه وصممه علي هيئة مقدمة سفينة وأطلق عليه لاحقاً اسم «مجمع التحرير».

تحول المبني إلي معلم جغرافي «حدد موقع وشكل المجمع كمركز ثقل بين ميدان التحرير والشوارع المحيطة»، ومعلم هندسي «بخلاف الارتفاع وعدد الحجرات بناه علي شكل قوس وجعل له فناءً داخلياً كالقصور القديمة التي تتميز بها العمارة الإسلامية»، ومعلم اجتماعي «منذ الخمسينيات وحتى يومنا هذا يندر أن تجد عائلة مصرية لم يتردد شخص واحد منها علي المكان لقضاء مصلحة ما».

عندما افتتح المجمع عام 1951 كان تحفة يحكي عنها الكاتب أحمد فرهود قائلاً «أعتبر العمل في المجمع نوعاً من الوجاهة الاجتماعية، المنخرط فيه لابد أن يكون متأنقاً، ذلك أنه ذاهب إلي مكان شديد الاحترام، وسيجلس إلي مكتب في غرفة مستقلة، معه زميل أو زميلان علي الأكثر، وإذا طلب شاياً أو قهوة فإن النادل سيقدم له المطلوب وهو يرتدي جاكته بيضاءً وبنطالاً أسود، عمال النظافة لا يتوقفون عن العمل، والسعاة يرتدون بزات صفراء، ودورات المياه شأنها شأن الممرات، بالغة النظافة، مما يدفع المرء للتصرف بتحضر».


دار القضاء العالي

علي هامش هذا المبني الذي أصبح راسخاً في وجدان المصريين، كان كمال إسماعيل يصمم مباني مشابهة ستحتل المكانة نفسها، الأمر الذي جعل الملك فاروق يمنحه «البكوية» مع نهاية الأربعينيات. بعد إلغاء القضاء المختلط تم التفكير في إنشاء بيت للقضاء المصري يمكن اعتباره رمزا له، فقام كمال إسماعيل بتصميم دار القضاء العالي معتمداً علي فلسفة هيبة القضاء في المساحات والأعمدة والمداخل، ثم قام بتصميم مبني مصلحة التليفونات.


الحرم المكي

علي هامش المباني التي شكلت ملامح مصر الحديثة إدارياً، كان كمال إسماعيل مشغولاً بغرامه الأول وهو العمارة الإسلامية، فقام بتأليف «موسوعة مساجد مصر»، وهو العمل الذي اهتم به العالم كله وقام بترجمته وطباعته أكثر من مرة.

دولة واحدة لم تهتم بالأمر هي مصر، فاختفي الكتاب وإن ظلت نسخ قليلة منه باقية في مراكز الأبحاث. كان يفتش عن فرصة واحدة يطبق فيها ما تعلمه من البحث في فنون بناء المساجد في مصر.

في بداية الثمانينات كانت هناك نسخة من الموسوعة التي ألفها كمال إسماعيل عن تاريخ بناء المساجد في مصر تدخل إلي الديوان الملكي في السعودية، وعندما أثارت إعجاب الملك فهد أصدر قراره بتكليف هذا المهندس المصري بتولي مسئولية إعادة إعمار وتوسعة الحرمين المكي والنبوي.

في لقاء تليفزيوني نادر ووحيد قال كمال إسماعيل برقة بالغة عن توسعة الحرمين: «لا يجرؤ رجل ذو قلب علي الاقتراب من مشروع من هذا النوع».

كان يشغله قبل المساحات أن تتم تغذيتها بنور وهواء طبيعيين، وأن يُطبّق في المكان أبرز أفكار معمار المساجد القديمة «فكرة الحوش»، فاخترع القباب المتحركة والمظلات الأوتوماتيكية القائمة علي أعمدة عالية والتي تحتضن مئات الآلاف في صحن المكان.

تغلب إسماعيل علي صعوبة زرع أساسات تتحمل مآذن لا يقل طول الواحدة منها عن 105 أمتار بفكر أدهش العاملين، وعندما لاحظ شكوى العاملين من سخونة الأرض، قال: فما بال الحجاج؟ اليوم يتعجب الحجاج من برودة الرخام الذي يسعون فوقه.

https://www.youtube.com/watch?v=zA9WtlNZAdM

كان كمال إسماعيل قد فتش حتي وجد نوعاً من الرخام اليوناني «تاسوس» يمتص الرطوبة ليلاً عبر مسام دقيقة ثم يقوم في النهار بإخراج ما امتصه ليلاً، وكان السائد أن يكون سمك طبقة البلاط فوق أي أرض سنتيمتراً واحداً لكن كمال إسماعيل قام بوضعه بسمك خمسة سنتيمترات, وبحثاً عن جماليات اللون فكر في حرق الجرانيت ليمنحه لوناً به مسحة روحانية مضيئة حيّرت كثيرين.

اجتهد كثيراً في إذابة الفارق بين التوسعات الجديدة وآخر توسعات حدثت قبل 50 عاماً فلا تشعر في هذا المكان المقدس بأي نشاز هندسي أو بصري، تكييفات ومظلات وقباب وواجهات وأرضيات وجراج تحت الأرض وتوسعة قدرها 50 ألف متر مربع في الحرم المكي، وفي الحرم النبوي أضيف إلي مساحة المسجد 95 ألف متر مكعب، بحيث أصبحت مساحة المسجد بعد توسعته تعادل مساحة المدينة المنورة كلها في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.

ثلاثة عشر عاماً من العمل المتواصل بميزانية تخطت 18 مليار دولار، عاد بعدها كمال إسماعيل إلي مصر يحمل جائزة الملك فهد للعمارة، وهو يتوقع أن يحتفي به بلده، لكن لم يهتم أحدا.

جهل إعلامي

أخلص كمال إسماعيل لما يتقنه، ونسي الزواج ثم تذكره وهو يودع أربعينياته، أنجب ولداً واحداً، ثم رحلت زوجته ليعود وحيداً بعد أن تجاوز الثمانين، ثم زادت عزلته بعد أن رحل غالبية أصدقائه، ثم رحل في سن الخامسة والتسعين وسط جهل- لا تجاهل - إعلامي ولم يشيعه ويرثيه سوي محبيه وبعض من تلاميذه الذين يعرفون قيمته.

قبل وفاته كان يقول للمقربين منه «أعتقد أن الله منحني هذا العمر الطويل بفضله لأنني خدمت النبي بإخلاص ووفاء وصبر، وكل ما يمكن أن يُبذل في سبيل خدمة هذا النبي الكريم».



المصدر

كتاب «صنايعية مصر. مشاهد من حياة بعض بناة مصر في العصر الحديث». عمر طاهر.

0
0
0
0
0
0
0