هل اخترت حياتك كما تحب أم أجبرتك الظروف على كل شيء؟.. ماذا لو عشت بلا إرادة حقيقية طول عمرك، ووجدت نفسك لا تحب ملابسك أو بيتك أو زوجتك، فتقرر الرحيل عن كل هذا الزيف؟!

تطرح رواية «المستحيل» للدكتور مصطفى محمود هذا التساؤل أمامك. هل تنفصل عن حياتك القديمة بما فيها زوجتك وابنك؟، أم يصبح القرار صعبًا كالـ«مستحيل» الذي اختاره المؤلف عنوانًا للرواية؟!

رجل بلا إرادة

نتيجة بحث الصور عن ‪dependent‬‏
الاعتمادية على الآخرين

بطل القصة «حلمي» عاش طيلة عمره معتمدًا بالكامل على أبيه، فقد ولد ليجد كل شيء متاحا وجاهزا كما أعده الوالد، لم يقاوم الابن وظل على سلبيته حتى اختار له أبوه الزوجة أيضًا.

الشقة نفسها من اختيار الوالد بما فيها من أثاث، حتى أنه علّق لوحة الموناليزا على حائط الدار قائلاً أنها قمة الفن الراقي، ويضيف متفلسفًا «انظر إلى يديها، كأنهما يبتسمان»، فيكرر الابن كلام الأب كالببغاء عن اللوحة.

يعترف «حلمي» لنفسه قائلاً «خمس وعشرون عامًا مرت من عمري كأنها لا شيء، ازددت في الوزن.. في الطول.. في العرض.. ولكني لم أزدد في الحياة»

عاش الابن مسلوب الإرادة كخيال المآتة، حتى دراسته لم تفيده ومكتبه الهندسي أصبح خاويًا على عروشه، فهو يعتمد في المعيشة على عائد أطيان وممتلكات أبيه.. وهنا تحدث الفاجعة بلا سابق إنذار.

الوحدة والظلام

نتيجة بحث الصور عن ‪father died‬‏

مات الأب فجأة، ووجد «حلمي» نفسه وحيدًا يخشى أن يوقع شيكًا دون استشارة أبيه الديكتاتور، بل وجد نفسه يفيق من حالة البلادة التي أصابته طول عمره، انقطع الحبل المكبل له.

هو لا يحب بيته أو زوجته أو الشاي الذي اعتاد أبوه أن يشربه، هو لا يحب لوحة الموناليزا التي اكتشف أن كل الحديث عن ابتسامة يدها كلام فارغ، يكرره الجميع بلا أي اقتناع على سبيل التثقف والتفلسف.

«حلمي» الجبان المنكسر قرر أن يغامر ويتحرك لأول مرة في حياته، فعاش تجارب جديدة كشفت له الكثير عن الحياة وعن نفسه، وجعلته يعيد حساباته أكثر وأكثر.

Strong independent woman

نتيجة بحث الصور عن ‪strong independent woman symbol‬‏

المرأة العملية المسيطرة التي لا تحتاج للرجال وتعتبرهم مجرد خنازير شهوانية، هذه هي المحامية «فاطمة» صديقة زوجة «حلمي»؛ طلقت زوجها واستقلت تمامًا لتكون Strong independent woman كما ينتشر المصطلح حاليًا.

تسرع «فاطمة» المغرية بالنسبة لـ«حلمي» الذي يندفع متمردًا نحوها، يريد تجربة الحب الذي لم يعشه مع زوجته، ولكن يكتشف أن لذة الجسد معها لم تصلح الشرخ بداخله.

راحت «فاطمة» تلعنه وتلعن كل الرجال القذرين، الذين يفتخرون بالعرض والشرف بينما يعبثون مع النساء من خلف زوجاتهم.. تقول في شماتة «إن أعمالكم شرفكم يا مغفلون وليس نساؤكم».

امرأة مثله

صورة ذات صلة

يقابل «حلمي» حالة أخرى فريدة أصعب من حالته، أجبرتها الظروف أيضًا على حياة لم تخترها، جارته الرقيقة «ناني» التي تحب القراءة والموسيقى وتطريز القماش باحترافية، لكنها تعيش عذابًا دائمًا تهرب منه بالمنومات.

ترسل له «ناني» أوراقًا كتبتها بنفسها، تحكي عن مأساتها الكبرى في الحياة التي بدأت مع أختها الكبرى حين سعت للزواج بحبيبها رغم تعنت الأهل وتنجح في ذلك، وتعيش مع زوجها في نعيم أنجبت فيه طفلة.

المصيبة أن الأخت تمرض فجأة بالسرطان وتشرف على الموت؛ تصرخ في زوجها بهيستريا وترجوه ألا يتزوج بعدها، تتوسل إليه أن تكون آخر امرأة يضمها في صدره، يعدها الزوج وتموت على الفور.

بعدها يعرض الزوج على أختها «ناني» عرضًا صعبًا، وهو الزواج منها لأنه أحبها فجأة، وأيضًا لتعتني ببنت أختها الطفلة، فمن سيكون أحنّ عليها من خالتها؟.. تتردد «ناني» لأنها تذكر وعد الزوج لأختها على فراش الموت، لكن نظرة الطفلة الكسيرة جعلتها توافق، لتبدأ المأساة الحقيقية.

عقدة ذنب رهيبة تسيطر على «ناني» جعلتها تكره كل لقاء يجمعها بزوجها في الفراش، ولم يتفهم هو الأمر، بل أصر على اللقاء بكثرة لتكرهه «ناني» أكثر، هي لم تختره من الأساس، هي تكره نفسها لأنها خانت أختها الراحلة.

نصفي الآخر

نتيجة بحث الصور عن ‪other half‬‏

الرجل مثل المرأة إذن، لا أحد معصوم من الإجبار في حياته والمصير الصعب، لقد وجد «حلمي» نفسه في «ناني» وشعرت هي بنفس الشيء، السنوات التي سرقتها الظروف يمكنهما تعويضها معًا، ولكن ما الثمن؟

اكتشف «حلمي» أن تركة والده تمنحه المال لكنها لا تمنحه السعادة والشغف، مهما امتلك الفدادين والسندات البنكية، قال في النهاية «لا أستطيع أن أكون شيئا آخر غير نفسي، أُفضّل أن أعيش حياة صغيرة أملكها، عن أن أعيش حياة كبيرة لا أملكها»

قرر أن يتخلى عن كل هذا بقدر الإمكان ويستغل دارسته في الهندسة أخيرًا، فعاد للعمل في مكتبه مهتمًا به، هكذا ضمن الناحية العملية ولكن ماذا عن الناحية العاطفية؟، حبيبته «ناني» التي تسكن بجوراه ولا يصل إليها؟

المستحيل

نتيجة بحث الصور عن الطلاق

الحل الوحيد إذن في الطلاق، الحل أن يتخلى «حلمي» عن زوجته وابنه وتهجر «ناني» زوجها وابنتها من أجل حياة زوجية جديدة عن حب واتفاق، لكن هل يستطيع الاثنان فعل هذا حقًا؟!، أم يصبح الطلاق حلاً أنانيًا يسعدهما ويعذب بقية الأطراف؟

مؤلف القصة اختار نهاية تروق لفكره، لأنه يراها الأكثر إنسانية وشاعرية، قد تتفق معه أو تختلف كقارئ، لكن «ناني» ترفض بحزن وأسى طلب «حلمي»، هي لا تريد أن تبني سعادتها على أنقاض تعاسة الآخرين.

حين حاول «حلمي» إقناعها بفكره دار هذا الحوار

- لن يكون في الدنيا حب إذا لم نتزوج

- ليس في الدنيا حب.. الحب في قلوبنا وليس في الدنيا، إنه في وهمنا فقط، إن الدنيا لا تحتمله ولا تستطيع أن تحققه.

فشلت كل المحاولات، وأخبرت «ناني» حبيبها أنها ستعيش بحبه في قلبها فقط، فهو كالسيف الذي ستحارب بها أحزانها وتعاستها، لن تقابله أبدًا أو تختلي به لتكون كالجارية، فقد قالتها صريحة له «لقد جعلني حبك ملكة، فلا تدعه يجعلني جارية»

بالنسبة للمحامية قوية الشخصية فاطمة، فقد حققت كل نجاح ممكن في عملها، ومع هذا اكتشف «حلمي» في النهاية أنها تدمن المورفين حتى تهرب من الوحدة والخوف، في إشارة أخرى لأهمية الحب مهما كان النجاح.

رواية وفيلم     

صورة ذات صلة
ملصق فيلم المستحيل

رواية «المستحيل» كتبها الدكتور مصطفى محمود في مطلع الستينات كأول عمل أدبي طويل، وجذبت المخرج الشهير «حسين كمال» ليقدمها في فيلم سينمائي فلسفي بعد خمس سنوات من إصدارها.

كتب ألحان الفيلم موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، ولتوفر عناصر الفيلم القوية من سيناريو وموسيقى وإخراج، حاز على المركز رقم 62 في قائمة أفضل 100 فيلم مصري بحسب استفتاء النقاد سنة 1996.

هل ترى فكر مصطفى محمود سليمًا؟، أم كنت لتنصح البطلين بالطلاق والبدء من جديد معًا؟




0
0
0
0
0
0
0